فراس النعسان : الإخلاء دون مساءلة
أُعلنت نهاية الحرب، فتنفّس العالم الصعداء. البيانات قالت كلمتها، العواصم استأنفت لغتها الدبلوماسية، والمنصّات الإخبارية بحثت عن قصة جديدة أقل كلفة عاطفية. هكذا، ببساطة، تمّ الإخلاء. لا من المكان، بل من المسؤولية.
في غزة، كما في حروب كثيرة سبقتها، لا تنتهي الحروب بقدر ما تُدار نهاياتها. تُعلن النهاية في العناوين، بينما تبقى الحرب حيّة في التفاصيل الصغيرة: في بيت لم يُعد بناؤه، في عائلة لم يُسأل عن مصيرها، وفي سؤال أساسي جرى تجاهله عمدًا: لماذا وقعت هذه الحرب أصلًا؟
هذا هو الإخلاء الوهمي في صيغته السياسية: إنهاء المعركة دون فتح ملفها، وإغلاق المشهد دون محاسبة من صنعه.
السياسة الحديثة بارعة في هذا النوع من الإخلاء. تُنهي الحدث حين يصبح عبئًا، لا حين تُحلّ أسبابه. لذلك تُدفن الأسئلة الثقيلة مع الضحايا، وتُترك الأسباب الحقيقية خارج التداول، لأنها تمسّ توازنات، وتحالفات، ومصالح لا يجوز الاقتراب منها.
يُقال للرأي العام: لا تبحثوا عن نظرية مؤامرة. ويُقال له في الوقت نفسه: لا تُفرطوا في التحليل.
النتيجة واحدة: إخلاء العقل من دوره، وتحويل الحرب إلى واقعة تقنية بلا سياق سياسي أو تاريخي.
ليست كل حرب مؤامرة، بالتأكيد. لكن السياسة تعرف جيداً كيف تستثمر في الغموض. فحين تغيب المساءلة، يصبح كل شيء ممكناً: تُختزل الحروب في لحظتها، وتُفصل عن جذورها، ويُعاد إنتاجها لاحقًا بالشروط نفسها، وبالضحايا أنفسهم، مع اختلاف التوقيت فقط.
في حالة غزة، بدا الإخلاء الوهمي واضحاً. انتهى القصف في الخطاب، لكن الحصار بقي. توقفت العمليات العسكرية، لكن شروط الانفجار القادم لم تتغير. جرى الحديث عن «اليوم التالي»، دون أي حديث جدي عن اليوم الذي سبقه، وكأن معالجة النتائج تكفي لإلغاء الأسباب.
السياسة هنا لا تبحث عن حل، بل عن إدارة. إدارة الألم، إدارة الصورة، إدارة الرأي العام. أما الحقيقة، فهي عنصر مزعج في مثل هذه العمليات، ولذلك تُركت خارج الغرفة.
ما بعد الحرب لن يكون أقل دلالة. حديث مكثف عن إعادة الإعمار، وصمت عن إعادة الاعتبار. وعود بالمساعدات، وتجاهل للسؤال الأهم: من يضمن ألا تتكرر الحرب؟ ومن يتحمل مسؤولية ما حدث، لا إنسانياً فقط، بل سياسياً وقانونياً؟
الإخلاء الوهمي لا يُنقذ أحداً.
هو فقط يمنح النظام الدولي هدنة أخلاقية قصيرة، ويترك الضحايا في مواجهة واقع لم يتغير سوى في اللغة المستخدمة لوصفه.
قد تنتهي الحرب في البيانات، لكن لغزها يبقى مفتوحاً.
وحين تُغلق الملفات دون مساءلة، لا تكون النهاية سوى استراحة قصيرة قبل الجولة التالية.
ذلك أن الحروب التي لا تُفهم.. لا تنتهي فعلًا.