د. احمد ناصر الطهاروه : حبس المدين.. عودةٌ إلى الماضي أم تراجع عن مشروع الدولة الحديثة؟
لم يعد الجدل حول حبس المدين مجرد نقاش قانوني تقني، بل تحول إلى سؤال كبير
يتعلق بشكل الدولة، وطبيعة العدالة، وحدود الكرامة الإنسانية. فحين يعود
الخطاب التشريعي إلى طرح الحبس كوسيلة لتحصيل الديون، فإن ذلك لا يعني سوى
ارتدادٍ عن مشروع التحديث الذي سعت إليه الدولة لسنوات طويلة، وعودةٍ إلى
مرحلةٍ كان فيها الإنسان يُعامَل بوصفه ضمانة مالية لا كرامة بشرية.
لقد
أثبتت التجارب الحديثة أن الحبس ليس علاجًا، ولا وسيلة تحصيل، ولا وسيلة
ردع، بل هو في جوهره تعطيلٌ لحياة المدين، وإفقارٌ لأسرته، وإرباكٌ
لاقتصاده الوطني. فالمدين الذي يُزجّ به في السجن لا يسدّد، ولا ينتج، ولا
يعود إلى دورة العمل، بل يتحول إلى عبء مضاعف على المجتمع والدولة.
وعند
النظر إلى التشريعات المعاصرة، نجد أن دولًا عدة طوّرت منظومات حديثة
للتنفيذ المدني، انتقلت من مفهوم الحبس إلى مفهوم الإدارة الاقتصادية
للديون.
فالتشريع الحديث يميز بوضوح بين المدين العاجز فعليًا الذي يجب أن تُصان حريته والمدين المماطل الذي يمتلك القدرة ويخفيها عمدًا.
الإعسار
الحقيقي أصبح سببًا مانعًا للحبس، لأن السجن لا يدرّ مالًا، ولا يعيد
حقًا، ولا يحقق توازنًا بين الأطراف. فالحبس هنا إجراء استثنائي، لا
يُستخدم إلا ضد من يتهرب من التنفيذ أو يرفض الإفصاح عن أمواله أو يُخفي
ممتلكاته رغم قدرته على الوفاء.
بهذا المفهوم، يصبح الحبس إجراءً سلوكيًا لا علاقة له بالعجز المالي، هدفه ردع المتلاعبين لا معاقبة المتعثرين.
التجارب
المتقدمة اعتمدت منظومة واسعة من الأدوات المدنية التي أثبتت قدرتها على
استعادة حقوق الدائنين من دون المساس بحريات المدينين، من أبرزها إيقاف
الخدمات الحكومية عند تكرار الامتناع.، الإفصاح الإجباري عن الأموال
والحسابات والممتلكات، بيع الموجودات الظاهرة لسداد الدين، منع التعامل
الائتماني مستقبلًا مع من يثبت أنه مماطل.
هذه الأدوات ليست تخفيفًا عن
المدين، بل هي تطوير لصالح الدائن، لأن الدائن يستعيد حقه عبر إدارة مالية
ذكية، لا عبر سجن يقطع الطريق على السداد.
تجربتي الشخصية كمدير سابق
لمركز إصلاح وتأهيل فأنا شاهد بأن المدين الذي يُسجَن لا يدفع دينًا، ولا
يعود للإنتاج، بل يتحول إلى رقم جديد في بيئة مكتظة أصلًا. والسجن يُفقد
الدولة قوى عاملة، ويُعيد إنتاج الفقر، ويزيد من معاناة الأسر التي لا ذنب
لها.
ولهذا، فإن الدول التي انتقلت من الحبس إلى البدائل الحديثة لم
تفعل ذلك بدافع الرحمة، بل بدافع المصلحة العامة، والنضج الاقتصادي، ورفع
كفاءة منظومة التنفيذ.
إن العودة إلى حبس المدين اليوم ليست سوى خطوة
تتناقض مع اتجاهات الإصلاح التي تسير بها الدولة الأردنية، وتسيء إلى فكرة
العدالة، وتحمّل الدولة أعباءً جديدة دون أي عائد. أما التشريعات الحديثة،
فقد وضعت النموذج الأوضح:
حماية الدائن عبر أدوات اقتصادية، وحماية المدين عبر صون كرامته، وحماية الاقتصاد عبر إبقاء الجميع داخل دائرة العمل.
إن
الحبس لم يعد من سمات دولة القانون الحديثة، بل من رواسب الماضي. والواجب
اليوم أن نرتقي إلى النموذج التشريعي المتوازن الذي يُعيد للعدالة رسالتها،
وللاقتصاد فعاليته، وللإنسان كرامته.