شيرين قسوس تكتب : الجزء الثاني من/ معضلة الخطاب رؤية الملك عبدالله الثاني في العلاقة بين الدين والسياسة ومواجهة الفكر السلفي المتشدد من كتاب "فرصتنا الأخيرة"
كتبت شيرين قسوس
تقوم رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني للدين والسياسة والتيارات الإسلامية على فكرة أساسية: أن يبقى الدين مصدراً للقيم والأخلاق والاعتدال، وألا يتحول إلى وسيلة لاحتكار السلطة أو فرض الوصاية على الناس أو تبرير العنف والإقصاء. فالملك لا ينطلق من موقف معادٍ للدين، ولا للتيارات الإسلامية بوصفها تيارات فكرية أو دعوية، بل يميّز بين التدين والممارسة الدينية من جهة، وتوظيف الدين لأهداف سياسية أو فرض الأفكار بالقوة من جهة أخرى.
ومن هنا لا يُفهم موقفه من السلفيين بمعزل عن رؤيته الأوسع للإسلام السياسي والتطرف الديني. فهو يفرّق بين السلفية منهجاً دينياً متعدد المدارس والاتجاهات، والفكر التكفيري الذي يقصي الآخرين ويتهمهم بالخروج عن الدين، وقد يبرر قتلهم واستهدافهم. وهذا التمييز ضروري، لأن وضع جميع التيارات السلفية والإسلامية في خانة واحدة يخلط بين العمل الديني السلمي والتطرف العنيف. فالخلاف الفكري أو المذهبي لا ينبغي أن يصبح صراعاً على حق الآخرين في الحياة والمواطنة والمشاركة في المجتمع.
وقد تجسدت هذه الرؤية في رسالة عمّان عام 2004، التي أطلقها الملك لمواجهة التشدد والتكفير وتوضيح صورة الإسلام. فقد حددت الرسالة مفهوم المسلم، وضوابط التكفير، والجهات المؤهلة لإصدار الفتاوى، واعترفت بالمذاهب والمدارس الإسلامية المعتبرة، ومنعت الجماعات المتطرفة من احتكار تفسير الإسلام أو ادعاء أنها وحدها تمثل الدين الصحيح. وبذلك أراد الملك أن تكون مواجهة التطرف فكرية ودينية أيضاً، لا أمنية فقط.
وتكشف هذه الرؤية موقفاً واضحاً من الجماعات التي تقسم المجتمع إلى مؤمنين وغير مؤمنين، وتتخذ من الاختلاف مبرراً للعداء. فالإسلام، في نظر الملك، لا يُختزل في تفسير جماعة أو تنظيم، والمرجعية الدينية لا يجوز أن تصبح سلطة مطلقة تمنح أصحابها حق الحكم على عقائد الناس ومصادرة حقوقهم. ومواجهة الفكر التكفيري بهذا المعنى حماية للمجتمع والدولة معاً، لأن خطره لا يقتصر على العنف، بل يمتد إلى التماسك الاجتماعي ومفهوم المواطنة المشتركة.
أما العلاقة بين الدين والسياسة فتحتاج إلى قراءة دقيقة. فالملك لا يدعو إلى فصل الدين عن الدولة وفق النموذج العلماني، ولا إلى استبعاده من الحياة العامة. ففي ورقته النقاشية السادسة، الصادرة في 16 تشرين الأول 2016 بعنوان "سيادة القانون أساس الدولة المدنية"، أوضح أن الدولة المدنية ليست دولة علمانية، وأن الدين عنصر أساسي في منظومة القيم والأعراف الاجتماعية، وأن الإسلام دين الدولة بنص الدستور الأردني. وفي الوقت نفسه رفض أن يتلاعب أي طرف بالدين لتحقيق مصالح سياسية أو مكاسب فئوية.
وهنا تتجلى إحدى أهم ركائز رؤيته: لا يجوز أن تتحول المرجعية الدينية إلى ملكية سياسية خاصة بحزب أو جماعة أو تيار، ولا أن تمنح تنظيماً حق احتكار الشرعية أو الادعاء بأنه الممثل الوحيد للإسلام والمجتمع. فالمشاركة السياسية تقوم على الدستور والقانون والمواطنة، لا على ادعاء امتلاك الحقيقة الدينية أو استخدام المقدسات للتأثير في حقوق الآخرين وحرياتهم.
والدولة المدنية التي يتحدث عنها الملك هي دولة المؤسسات والقانون، يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات، وتُحترم فيها التعددية الدينية والفكرية والسياسية، وتُصان حرية الاعتقاد والعبادة، ولا يُعتدى على حقوق أي مواطن بسبب دينه أو مذهبه أو فكره أو انتمائه السياسي. وهي دولة لا تستطيع فيها أي جماعة أن تضع نفسها فوق القانون أو تفرض تفسيرها الخاص للدين على المجتمع.
ولا يعني ذلك رفض مشاركة الإسلاميين في الحياة السياسية. فثمة فرق بين جماعة تمارس العمل السياسي وفق الدستور والقانون وتقبل التعددية وتداول الآراء، وأخرى ترى نفسها صاحبة الحق الحصري في تمثيل الدين وترفض حق الآخرين في الاختلاف. فالمعيار ليس الانتماء الإسلامي أو السلفي، بل طبيعة الممارسة السياسية، ومدى احترام الدستور والقانون، وقبول حقوق الآخرين، ورفض العنف والتكفير.
وتحمل هذه الرؤية بعداً خاصاً للأردن، بحكم تنوع مجتمعه وموقعه في منطقة شهدت صراعات دينية ومذهبية وصعود جماعات متطرفة. فالملك يعدّ حماية الاعتدال الديني جزءاً من حماية الاستقرار الوطني، ويرى أن الدولة لا تحافظ على وحدتها إذا سمحت بتحويل الاختلافات الفكرية والدينية إلى صراعات على الهوية والانتماء والحقوق.
وترتبط الرؤية كذلك بالمرجعية الهاشمية ودور الأردن في تقديم خطاب إسلامي قائم على الاعتدال والتسامح واحترام المذاهب الإسلامية. فمواجهة التطرف لا تعني مواجهة الإسلام، بل حمايته من التفسيرات التي تستخدمه لتبرير العنف والكراهية، ومن هنا جاء الاهتمام برسالة عمّان وبالدور الديني للأردن عربياً وإسلامياً ودولياً.
وخلاصة رؤية الملك عبدالله الثاني توازن بين احترام الدين وحماية الدولة المدنية. فالدين حاضر في المجتمع مصدراً للقيم والأخلاق، لكنه لا يتحول إلى أداة لاحتكار السياسة أو إلغاء التعددية. وللتيارات الإسلامية والسلفية مساحتها في المجتمع ما دامت سلمية وتحترم القانون وحقوق الآخرين، أما التكفير والتحريض والعنف ومحاولة فرض الوصاية فتتعارض مع أساس الدولة المدنية.
وبذلك فإن مشروع الملك لا يُخرج الدين من الحياة العامة، بل يمنع استخدامه لتقسيم المجتمع والسيطرة على المجال السياسي. إنه نموذج أردني لدولة تحافظ على هويتها الإسلامية والهاشمية، وتقوم في الوقت نفسه على المواطنة وسيادة القانون والمؤسسات والتعددية. وهذه هي النقطة المركزية في موقفه من السلفيين والإسلاميين: احترام الدين، ورفض احتكاره، وحماية حق المجتمع في الاختلاف، وإبقاء السلطة السياسية خاضعة للدستور والقانون، لا لتفسير ديني تفرضه جماعة أو تنظيم.