ينال نواف البرماوي : «حواضنُ رقميّة» لـلإرهــاب
ينال نواف البرماوي ــ رئيس النحرير المسؤول جريدة الدستور
*الفكر المتطرف بات عابرًا للحدود
الفضاء الرقمي الواسع بلا حدود يُشكّل الحواضن الأساسية للإرهاب، الذي خرج على الأغلب من إطار الأفراد والتنظيمات التي تجتمع بشكل وجاهي لرسم وتنفيذ مخططاتها وتجنيد العناصر لغايات متعددة لا ترتبط بدين معين أو فئة، وهو ما كان سهلاً لمتابعته وضبطه والإيقاع بالقائمين على تلك الشبكات وغيرها، كما حدث في السابق داخل الأردن والعديد من البلدان.
الجماعات الإرهابية وعناصرها تتحرّك بسهولة عبر الفضاء الرقمي، وتسافر كل لحظة لبث سمومها وغسل عقول من يقع ضحية لها، لدرجة الاستعداد دون تفكير لتنفيذ مخططاتها، وما توجّه عناصرها لفعله، ولم تعد تحتاج لحواضن مباشرة داخل المجتمع، وإن كانت تعمل على إيجاد بؤر في أي ثغرة تجدها.
غالبية الأفراد، إن لم يكن جميعهم، ومن كافة الفئات العمرية، يتعرّضون يوميًا لكم هائل من الرسائل والمحتوى من خلال الشبكة العنكبوتية والمنصّات الرقمية العامة والخاصة، وتختلف درجة وكمُّ التعرض من شخص لآخر حسب اهتماماته وطبيعة عمله والوقت الذي يمضيه في التصفح أو بثّ موضوعات معينة.
من هنا، توجد حواضن رقميّة ومجتمعات افتراضية من السهل مشاركتها والتفاعل معها بالشكل الذي يُمكّن الجماعات الإرهابية وأصحاب الفكر الظلامي من تجنيد العناصر وإقناعهم بأهدافهم، وصولاً إلى اعتبارهم «الطريق المُعبّد إلى الجنة» لكل من يتّبعهم.
هذا في الجانب الديني، وعلى الطرف الآخر توجد تنظيمات إرهابية أيضًا ضمن عصابات المخدرات وتجارة وتهريب السلاح، وأحيانًا في معرض الدفاع عن «أفكارهم» باستخدام أساليب غير مشروعة تندرج ضمن أعمال التطرف والإرهاب.
حسب قراءة افتراضية، فإن الأشخاص من عمر 50 عامًا فأقل، هم الأكثر تعرضًا لرسائل ومحتوى الفضاء الرقمي، وتزيد بشكل كبير لمن هم دون 30 عامًا، لأسباب مختلفة ترتبط بالاهتمامات وطبيعة العمل والفضول في متابعة ما هو جديد أو مثير، وتصفُّح الأخبار هنا وهناك، وموضوعات أخرى تفتح الباب للدخول لشخصية الفرد ومعرفة اهتماماته وميوله ومشكلاته الاجتماعية، وإلى أي مدى يمكن تجنيده من قِبل تلك الجماعات لأغراض إرهابية أو للتعاون مع شبكات المخدرات والسلاح.
وتزداد خطورة التعرض للمحتوى العشوائي لدى أشخاص يعانون من مشكلات اجتماعية خاصة، وفئات المراهقين والمُدمنين على الألعاب الإلكترونية، التي تشكل سبيلاً في كثير من الأحيان لتحريضهم والتلاعب بعقولهم والاستجابة لرغباتهم واستدراجهم بسرعة، ليصبحوا فيما بعد عناصر فاعلين بعد تربيتهم على الأفكار المتطرفة والاعتقادات الخاطئة والمنافية لكافة المبادئ.
ويُعدّ المتعلمون هدفًا مباشرًا لتلك الجماعات، فلا تقتصر الدائرة على غيرهم.
الجماعات المتطرفة تبرع في استخدام الفضاء الرقمي وتوظيفه بشكل مستمر لنشر خطابات مُتشدّدة، والتأثير في الرأي، وتناول موضوعات على تَماسٍ مباشر بحياة الناس، واستغلال الذكاء الاصطناعي بصورة غير مشروعة لتقديم معلومات مصوّرة ومغلوطة، لبث الكراهية في إطار محاولات السيطرة على العقول، وزعزعة الأمن والاستقرار .
الأردن من أكثر دول العالم المُستهدَفة من قبل الجماعات المتطرفة ومافيات المخدرات والسلاح، بحكم موقعه الجغرافي، والاضطرابات السياسية والأمنية التي تحيط به، وما نتج عنها من نشاط غير مسبوق للجماعات الإرهابية والعصابات الإجرامية. وفي زاوية أخرى، هنالك من يحاول النيل من أمن المملكة واستقرارها لمواقفها الداعمة للقضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية، والتصدّي بحزم للتطرف والتنظيمات في السنوات الماضية.
في ظل هذه المعطيات وغيرها، فإن الإرهاب والفكر المتطرف بكافة أشكاله بات عابرًا للحدود، ولم تعد مواجهته تقتصر على الحلول الأمنية والإجراءات اللاحقة التي تتم خلال وبعد أي عملية يتم تنفيذها، وغيرها من المحاولات الكثيرة التي تُضبَط من قبل الأجهزة الأمنية باحترافية، بل تتطلّب مسؤولية وطنية تتشارك فيها كافة الجهات من الأسرة والمدرسة والمسجد والمجتمع، ومؤسسات المجتمع المدني، والجهات الحكومية المختصة، والإعلام وغيره.
كما تتطلّب تعزيز منظومة الرقابة على الفضاء الإلكتروني وتتبُّعه، وتنظيم برامج موجّهة ومستمرة للتوعية والتنوير لجميع الفئات العمرية، وخاصة الشباب والمراهقين، ومتابعة الأهل للألعاب الإلكترونية التي يتعامل معها أبناؤهم.
مثلاً.. كم يمضي ابنك، أيًا كان عمره، على الإنترنت وتتبُّع المنصات والألعاب الإلكترونية والمجتمعات الافتراضية؟.. سؤال يجب أن يضعه كل مواطن نصب عينيه، من باب متابعة فلذات أكبادهم لحمايتهم من التبعات السلبية للفضاء الرقمي، وتجنيبهم المتطرفين ومن يقع في حكمهم.
مواجهة التطرف والإرهاب يجب أن تُشكّل أولوية دائمة من قبل الجميع، كون الأردن ومواطنيه مستهدفون بشكل مستمر من قبل تلك التنظيمات، من خلال ضمان التعرُّض السليم والاستخدام الآمن لمنصّات التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي بشكل عام.