المحامي د. يوسف البشتاوي : البيانات الرقمية.. مبادرة وطنية يقودها ولي العهد نحو اقتصاد المستقبل
المحامي د. يوسف البشتاوي
يأتي توجيه سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، امس الأربعاء، المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل إلى إطلاق مبادرة وطنية للبيانات الرقمية، لتشكل خطوة نحو بناء منظومة رقمية متكاملة تجعل البيانات ركيزة للتطوير المؤسسي، ومدخلاً لتحسين الخدمات، وتعزيز الابتكار، وتسريع التحول نحو اقتصاد رقمي قائم على المعرفة والتكنولوجيا.
وتكتسب المبادرة أهميتها من تركيزها على جمع البيانات والتحقق من جودتها ودقتها وانسيابها، إلى جانب تعزيز الاستخدام المسؤول لها؛ إذ لا تكمن القيمة الحقيقية في امتلاك كميات كبيرة من المعلومات، وإنما في مدى موثوقيتها وتكاملها وقابليتها للتحليل والاستثمار في إنتاج معرفة تدعم القرارات والسياسات العامة على أسس علمية دقيقة.
ويعزز تأكيد سمو ولي العهد ضرورة وضع مؤشرات للأداء وقياسها بصورة دورية، أهمية ربط المبادرة بنتائج عملية قابلة للتقييم، بما يسهم في رفع كفاءة المؤسسات، وتحسين إدارة الموارد، وتقليل الهدر، وقياس أثر البرامج والمشاريع، والانتقال من القرارات القائمة على التقديرات العامة إلى قرارات تستند إلى معلومات دقيقة وأدلة واضحة.
ويمثل تكامل البيانات أحد المتطلبات الأساسية لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ ففاعلية هذه التقنيات ترتبط إلى حد كبير بجودة المعلومات التي تعتمد عليها ، ومن هنا، فإن المبادرة تهيئ أرضية مهمة لتطوير حلول رقمية أكثر دقة وفاعلية، شريطة توفير أطر حوكمة واضحة تضمن حماية الخصوصية، وتعزز الأمن السيبراني، وتنظم تبادل البيانات واستخدامها بصورة مسؤولة.
ولا ينفصل نجاح هذا التوجه عن الاستثمار في الإنسان، وهو ما يعكسه تأكيد سمو ولي العهد أهمية بناء القدرات والمهارات اللازمة لتنفيذ مشاريع المبادرة ، فالتكنولوجيا وحدها لا تصنع التحول، ما لم تتوافر كفاءات قادرة على إدارة البيانات وتحليلها، وتطوير التطبيقات الرقمية، وتوظيف الأدوات الحديثة في تحسين الأداء المؤسسي والخدمات المقدمة للمواطنين.
وتبرز أهمية المبادرة بصورة مباشرة في القطاعين الصحي والتعليمي، اللذين أشار سمو ولي العهد إلى إمكانية إطلاق تطبيقات تسهم في تحسين خدماتهما ، ففي الصحة، يمكن للبيانات أن تدعم التخطيط وإدارة الموارد وتطوير الخدمات، فيما تتيح في التعليم فرصاً أفضل لتحديد الاحتياجات، وتحسين توزيع الإمكانات، ومتابعة التحصيل الدراسي، بما يعزز كفاءة الخدمات وجودتها.
كما أن دعوة سموه إلى إشراك الجهات ذات العلاقة من القطاعين العام والخاص، وإنشاء حلقات اتصال بينها، تؤكد أهمية العمل التشاركي في بناء منظومة رقمية متكاملة ، فتبادل الخبرات وتكامل الأنظمة وتوحيد المعايير، ضمن أطر آمنة ومنظمة، يمكن أن يفتح المجال أمام حلول مبتكرة، ويدعم تطوير التكنولوجيا المحلية، ويعزز فرص الاستثمار في الاقتصاد الرقمي.
وفي هذا الإطار، فإن نجاح المبادرة يتطلب خطة تنفيذية واضحة، وأولويات محددة، ومؤشرات قابلة للقياس، إلى جانب مراجعة دورية للنتائج وتطوير مستمر للبنية التحتية والمهارات ، كما يستدعي ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة وحماية البيانات، بما يعزز ثقة المواطنين بالخدمات الرقمية ويضمن توظيف التكنولوجيا بما يخدم المصلحة العامة.
وفي المحصلة، تفتح المبادرة الوطنية للبيانات الرقمية مساراً مهماً أمام الأردن لتعزيز انتقاله نحو اقتصاد أكثر اعتماداً على المعرفة والابتكار، بحيث لا تقتصر الغاية على رقمنة الإجراءات، بل تمتد إلى تطوير طريقة عمل المؤسسات، وتحسين جودة القرار، ورفع الإنتاجية، وتقديم خدمات أكثر كفاءة واستجابة لاحتياجات المواطنين.