اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. ناديا محمد نصير : في الذكرى الثانية لرحيل أمي… عامان على الغياب، وكأن الفقد حدث بالأمس.

د. ناديا محمد نصير : في الذكرى الثانية لرحيل أمي… عامان على الغياب، وكأن الفقد حدث بالأمس.
أخبارنا :  

اليوم ليست مجرد ذكرى وفاة أمي، اليوم ذكرى انطفاء شيء في داخلي لم يعد كما كان، ذكرى اليوم الذي فقدت فيه جزءًا مني، وشيئًا من أماني، ووجهًا كان وجوده وحده كافيًا ليجعل الحياة أقل قسوة.

عامان مرّا يا أمي، عامان تعلّمت فيهما كيف أعيش دون أن أراكِ، لكنني لم أتعلّم يومًا كيف أعتاد غيابكِ. تعلّمت أن أُكمل أيامي، أن أضحك أحيانًا، أن أنشغل بتفاصيل الحياة، لكنني لم أتعلّم كيف أملأ المكان الذي تركتِه خلفكِ، ولا كيف أُقنع قلبي بأنكِ لن تعودي.

أتعلمين يا أمي ما أقسى ما في الفقد؟ أنه لا يأخذ منا أحباءنا فقط، بل يأخذ معه أشياء كثيرة لا يلاحظها أحد. يأخذ شعور الأمان، وراحة القلب، وتلك الطمأنينة التي كنا نشعر بها لمجرد معرفتنا أن أمهاتنا موجودات في هذا العالم. وبعد رحيلكِ، أدركت أن الإنسان مهما كبر، ومهما بدا قويًا، يبقى في داخله طفل صغير يحتاج إلى أمه، إلى صوتها، إلى دعائها، إلى حضنها الذي لا يشبهه أي حضن في الدنيا.

أشتاق إليكِ في الأيام العادية قبل الأيام الحزينة، في التفاصيل الصغيرة التي لا يعرف أحد قيمتها سواي، وفي اللحظات التي أتمنى فيها لو أستطيع أن أخبركِ بكل ما حدث معي، أن أحكي لكِ عن تعبي، وعن الأشياء التي أسعدتني، وعن تلك المعارك التي أخوضها وحدي، وعن الكلمات التي أبتلعها لأنكِ لم تعودي هنا لتسمعيني.

أشتاق إلى أن أكون ابنتكِ فقط، دون أن أضطر إلى التظاهر بالقوة، ودون أن أخفي حزني خلف ابتسامة، ودون أن أشرح لأحد لماذا يؤلمني شيء قد يبدو عاديًا في نظره. معكِ، لم أكن بحاجة إلى أن أشرح نفسي كثيرًا؛ كان يكفيني أنكِ أمي.

عامان يا أمي، وما زال في قلبي كلام كثير لم أقله لكِ، وعتب لا مكان له الآن، وأحضان بقيت معلّقة في الذاكرة، ودموع تأتي في أوقات لا أتوقعها. وما زلت أحيانًا أتمنى لو أن الحياة تمنحني دقيقة واحدة فقط، دقيقة أراكِ فيها، أقبّل يديكِ، وأخبركِ كم أحبكِ، وكم أحتاج إليكِ، وكم أن العالم بعدكِ أصبح مختلفًا.

يقولون إن الزمن يخفف ألم الفقد، لكنني أظن أنه يعلّمنا فقط كيف نخفيه، كيف نحمله معنا دون أن يراه الجميع، وكيف نواصل الحياة رغم أن في داخلنا مكانًا لا يزال ينتظر من رحلوا. فبعض الغياب لا تعوّضه الأيام، وبعض الأشخاص لا يأخذ أحد مكانهم، وبعض الأمهات لا يرحلن من قلوب أبنائهن مهما غاب الجسد.

أمي الحبيبة، إن كان هناك ما أتمنى أن يصلكِ مني، فهو أن تعرفي أنكِ ما زلتِ حاضرة في كل دعاء، وفي كل ذكرى، وفي كل لحظة أحتاج فيها إلى شعوركِ الذي لا يشبهه شيء. رحلتِ عن عيني، لكنكِ لم ترحلي عن قلبي، وما زلتِ جزءًا من كل ما أنا عليه اليوم.

اللهم في الذكرى الثانية لوفاة أمي، ارحمها رحمةً تطمئن بها روحها، وتؤنس بها وحشتها، وتنير بها قبرها. اللهم اجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وآنسها في وحدتها، واجمعني بها في جنتك حيث لا فراق ولا وجع ولا دموع.

رحمكِ الله يا أمي، يا أول حب في حياتي، ويا أصدق أمان عرفه قلبي.

عامان على رحيلكِ، وما زلتُ ابنتكِ التي تشتاق إليكِ، وتبحث عنكِ في الدعاء، وتحبكِ حبًا لا ينتهي بالموت.

رحمكِ الله بقدر ما اشتقت إليكِ، وبقدر ما يعجز قلبي عن وصف غيابكِ، وبقدر ما أتمنى لو أن لي دعوةً مستجابةً واحدة، لكانت أن أرمي روحي في حضنكِ مرةٍ أخرى .


مواضيع قد تهمك