د. خالد الحريرات البطوش : الصراع مع إسرائيل سياسي وليس دينيا (2)
انتهجت إسرائيل خلع الصفة الدينية على الصراع في فلسطين بدلا من طبيعته السياسية، وسلطة الاحتلال اذ تلوذ بهذه الحيلة فإنها ترد جوهر الصراع الذي يتعلق بالسيادة على الأرض الى نزاع لا يتجاوز حقوق الأقليات، ويصبح سقف المطالبة عندئذ إجازة ممارستها ولكن تحت هيمنة الاحتلال ووفقا للتنظيم الذي تقدره ادارتها، وفي جميع الأحوال لا ترقى تلك الحقوق الفردية الى حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وانشاء دولته المستقلة على تراب وطنه، ولذلك نال هذا التشويه الإسرائيلي لطبيعة الصراع جانبا كبيرا من خطاب جلالة الملك في افتتاح دورة اجتماعات الجمعية العامة الأمم المتحدة قبل أكثر من أسبوع.
المصلحة الإسرائيلية واضحة في تحييد البعد السياسي من خلال تهميش الاعتراف الدولي المتنامي بحقوق الشعب الفلسطيني في اقامة دولة مستقلة وعيش حياة كريمة، وفي هذه الحالة يغدو الدين ملاذا للهروب من استحقاقات السياسة، وتشكل الميتافيزيقيا ساحة رحبة لادعاء حقوق لا وجود لها، وعند هذا الالتفاف المخادع يمكن للدعاية الصهيونية استغلال الثقافة الدينية في الغرب بتمرير الوعد الإلهي المستقر في الوعي الجمعي لينتهي به المطاف في الحيز الجغرافي الذي تختاره الاطماع الإسرائيلية وبالكيفية التي يتفتق عنها ذهن السياسيين المهووسين بالأساطير.
صحيح ان إسرائيل لا تعير كثيرا اهتماما للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ولا تكترث بحظر التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، لكن هذا الامر وان طال الا انه لن يستمر، فالالتزامات المفروضة على الدولة المحتلة بعدم تغيير الواقع في الأراضي الخاضعة لسيطرتها تبقى حجة على إسرائيل، وتشكل عقبة قانونية كأداء امام الاطماع التوسعية للاحتلال، ومن المؤكد ان تعذر تطبيق القانون الدولي لا ينفي وجوده، فالقانون يبقى أداة للضغط على إسرائيل في المحافل الدولية ومرجعا لمقاضاتها امام الهيئات القضائية غير الوطنية، وإسرائيل تدرك هذا جيدا، ولذلك تتجنب الانكار الصريح للشرعية الدولية فتلوذ منها بالحيلة العتيقة، وتستحضر الدين للتنصل من التبعات القانونية، لكن مقابلة مفاهيم واقعية كالسياسة والقانون بمفاهيم الدين يضعف الحجة الإسرائيلية في مواجهة العالم، عندها يغدو استدراج الخصم الى ساحة الدين خطة خبيثة تهدف الى تجريد الخصم من سلاحه القانوني وتدفع به الى مواجهة دينية غيبية يكون حسمها لمن يبرع فيها.
جرّ الفلسطينيين الى مواجهة دينية في صراع سياسي يشكل مخاطرة مفتوحة على احتمالات غير مضمونة، وربما محسومة في غير صالح القضية الفلسطينية، ولا شك ان اغراء القداسة يشبع الحاجة الى الايمان ويعزز الشعور بالثقة في الحق ثم يحشد التعبئة المطلوبة، لكن رفع الصراع على أسس دينية يختزل حق الشعب الفلسطيني ويحصره في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وبيت لحم بوصفها المواقع التي ترتبط دينيا وتاريخيا بالإرث الاسلامي والمسيحي، غير ان القضية أكبر من ذلك وتتسع لكامل التراب الفلسطيني من اجل اقامة دولة مستقلة، ومن ناحية تاريخية فان الاستدراج الإسرائيلي للفلسطينيين لخلع الطابع الديني على الصراع يراهن على تسلسل زمني محسوم النتيجة، فأسبقية الديانة اليهودية يجعل مهمة إسرائيل أكثر سهولة في اقناع الراي العام الغربي بمطالبها، كما ان الحيّز الجغرافي لأحداث سيرتها الأولى يستنزع شرعية تاريخية ودينية على متحصلات اطماعها التوسعية في الأراضي المحتلة.
حقوق اليهود الدينية شيء والسيادة على جغرافيا فلسطين شيء آخر مختلف تماما، وعند هذا الفارق ينبغي تمييز الديني عن السياسي، ذلك ان هذا التمييز هو الذي يرسم الأساس الذي يستقيم عليه الصراع، ويحدد الجوهر الذي يؤلف الطبيعة السياسية لهذه المواجهة، ولكن يبقى هذا الفهم رهنا بمدى الاستجابة العربية والفلسطينية وادراكها للأبعاد الدينية التي ترمي اليها السياسة الإسرائيلية وترغب بإدارة الصراع من خلالها، وهذا الفهم يحتّم على الطرف الفلسطيني مقاربة تفوّت على اسرائيل ميزة الدين.