اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. عبد الغني طبلت الايوبيين : "الهيمنة الحداثية" مظاهر يجب الإنفكاك منها

م. عبد الغني طبلت الايوبيين : الهيمنة الحداثية مظاهر يجب الإنفكاك منها
أخبارنا :  

لا شك بأن طغيان مظاهر "الهيمنة الحداثية" المعنية بفرض قيم الحداثة المستوردة ونماذجها كمعيار وحيد للتقدم ، وما واكبها من تغلغل تدريجي غير محسوس لانعكاس مفاهيم العولمة وتأكل الخصوصيات على نمط الحياة ، نتيجة للتوسع غير العادي في التعويل على الأدوات والوسائل التي تتيحها تقنية المعلومات واستخدامات الذكاء الاصطناعي ، وبخاصة وسائل التواصل الاجتماعي التي لعبت (وما زالت تلعب) دورا محوريا في التاثير على نوعية ومستوى التفكير ومساحة الانفتاح المجتمعي ، ما أدى الى توسيع الفجوة الجيلية (Generation Gab) بين الشباب والكبار ، والإسهام في سد قنوات التواصل واغلاق منافذ الحوار البيني ، وخفض مستوى التبادل المعرفي بينهم في كثير من المسائل الحياتية والثقافية والاجتماعية


لقد لعبت "الهيمنة الحداثية" دورا جوهريا في ترسيخ نوع من الاغتراب الثقافي لصالح ثقافات وافدة ، ما أدى الى افراع الشخصية المحلية من مضامينها ، وحكم على السلوكيات المتوارثة من عادات وتقاليد بالجمود وكأنها حبر على ورق ، الأمر الذي خلق صراعا حادا بين الأجيال نتيجة للتعارض بين قيمهم الحياتية ، فالكبار المتمسكون بالأصالة (هوية وجذور) لم يستطيعوا مجاراة الشباب المتمسكون بالمعاصرة (انفتاح وتحديث) نتيجة لقناعاتهم بأن النموذج الحداثي ـ بمتغيراته التقنية المتسارعة ومايواكبها من تطبيقات ذكاء اصطناعي وبرمجيات رقمية وحلول ذكية ـ يوجب الإنصياع له والتمسك فيه ، سيما وأنه يعتبر ان كل مستحدث هو معيار أوحد (مطلق) للنجاح ، وأن من لا يواكب هذا المعيار سيسبقه الوقت وسيتجاوزه الزمن


وهنا يجدر القول بأن تداعيات فرض قيم الحداثة وتفضيلها على الثقافة المحلية ، ألقت بظلالها المحفوفة بالمخاطر على المجتمع ، وحولت الكثير من افراده الى أشخاص تنتابهم الحيرة ويكتنفهم القلق والاضطراب ، لاسبيل أمامهم سوى الإنشغال بمواكبة المستجدات التقنية والمعلوماتية السائدة ، كي لا توصف امكانيتهم (معلومات ومهارات) بأنها متقادمة ، أو تنعت توجهاتهم برفض التطور وعدم مواكبة العصر ، أو تتهم عقلياتهم وطرق تفكيرهم بالتخلف والجمود ، أو أن تقتصر رؤيتهم على التمسك بأهداب الماضي ، الامر الذي عجل انتقال هؤلاء الأشخاص من "عصر الحكمة والعمق" إلى "عصر السطحية والسرعة" ، ما أدى الى توسيع الفجوة وتجفيف قنوات التواصل مع الأجيال اللاحقة ، والعيش في جزر معزولة عن الاخر


وهنا لا بد من الاشارة إلى ان الشخص يولد ويعيش ضمن مجموعة من الثوابت (قيم وعادات وتقاليد) ، الا ان "الهيمنة الحداثية" أوقعته في حالة من عدم اليقين حرمته الاستقرار ، فما كان يُعتبر قيمة أخلاقية ثابتة بات غير صالح ، ماوضعه في حالة من الشك تجاه أي حقيقة يود التشبث بها ، فما أن اصبح التخلي عن "القديم" ثقافة سائدة ، غدت العلاقات الإنسانية قابلة للشطب والاستبدال حال ظهور ماهو أحدث ، ماحرم ارتباط الإنسان ببيئة متناغمة ومستقرة تمنع فقدانه لبوصلته التي تقوده وتهديه في أتون هذه الحياة


وختاما أقول بأن مجتمعنا يمر بمنعطف حاسم ، فالسير نحو المستقبل لايعني الاندفاع الأعمى نحو كل ماهو مستورد لمجرد الإدعاء بالحداثة ، فالواقع يتطلب منا وقفة شجاعة يحكمها العقل والمنطق ، للإسراع بالتخلص من تبعات التحديث السطحي الهامشي المزيف ، وإيجاد منظومة حداثية منطقية جامعة ومتزنة ، تتمسك بالأصالة (تاريخ وهوية وجذور) من جهة ، ولا تقف حجر عثرة امام المعاصرة الجادة والناضجة (تواصل وانفتاح وتحديث) من جهة أخرى ، كي نستمد منها القوة والثبات والجرأة التي تتيح لنا سبل العيش بعيدا عن النسخ وتقليد الآخر ، لنبني مجتمعا واعيا مدركا لما حوله ، يوازن مابين عمق الجذر ونبل المنبت وبين الآفاق والمظاهر الحداثية الرصينة ، ويسعى لسبر اغوار المستقبل بكل ثقة واطمئنان في ظل قيادتنا الهاشمية المظفرة


وللحديث بقية

مواضيع قد تهمك