الصبيحي : أربعة أركان لتعزيز المركز المالي ورفع الراتب الأساسي لتقاعد الضمان
ليس لمثلي أن يطالب بإنفاذ أي أمر من شأنه أن يُلحق ضرراً بالمركز المالي لمؤسسة الضمان الاجتماعي أو يُعَرّض استدامتها لأي شكل من أشكال التهديد لا سمح الله.
ومن هذا المنطلق بالذات، تأتي مطالبتي المستمرة والمُلحّة بتفعيل المادة (89/أ) من قانون الضمان الاجتماعي لرفع الحد الأدنى الأساسي لراتب التقاعد وراتب الاعتلال، استناداً إلى معرفة دقيقة وشاملة وتحليلية بقدرات المؤسسة المالية وإمكانية إنفاذ هذا الاستحقاق التشريعي دون مساس بالتوازنات الأكتوارية.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن إنفاذ النص القانوني برفع الحد الأدنى لراتب التقاعد ليس تكرّماً ولا منّة، بل هو أداة إصلاح وتوازن اجتماعي واجِبة الاستخدام لترميم القدرة الشرائية لأصحاب الرواتب المتدنية ومواجهة الظروف المعيشية القاسية. غير أن تحقيق هذا التوازن المطلوب بين عدالة الحماية الاجتماعية وصلابة المركز المالي يفرض اعتماد منهجية إدارة حصيفة تتكامل فيها أربعة أركان رئيسة:
أولاً: إدارة حكيمة للنظام التأميني وتصويب السياسات الخاطئة:
تتطلب هذه الإدارة الإحاطة الكاملة بمقتضيات النظام التأميني وتبعاته؛ عبر توسيع مظلة الشمول، والحد من التهرب التأميني، وضبط شروط الاستحقاق وفق أسس علمية توازن بين الاشتراكات والمنافع. ويرافق ذلك شجاعة ومسؤولية في تصويب السياسات الخاطئة التي أثّرت سلباً على المركز المالي، وفي مقدمتها سياسات الحكومات بالإحالة القسرية على التقاعد المبكر في القطاع العام، والتي رفعت نفقات المؤسسة التأمينية بشكل كبير وحرّمتها من اشتراكات مبكرة وحمّلتها التزامات تقاعدية ثقيلة قبل أوانها الأكتواري المفترض.
ثانياً: ترشيد وإدارة كفؤة للنفقات التشغيلية:
إن حماية أموال المشتركين والمتقاعدين تبدأ من ضبط النفقات الإدارية والعمومية للمؤسسة، واعتماد سياسة حازمة لضبط المصاريف التشغيلية والتكاليف غير الضرورية، وتوجيه كل دينار يُوفر نحو تعزيز المدخرات التأمينية والاستثمارات ودعم الاستحقاقات الأساسية للمستفيدين.
ثالثاً: استقراء دقيق للدراسات الأكتوارية والتعادل المالي:
إن إحداث التوازن التأميني لا يمكن أن يتحقق إلا بقراءة حصيفة لمخرجات الفحوصات والدراسات الأكتوارية الدورية، بحيث تُبنى الالتزامات المستقبلية على تقييمات علمية تراعي التحولات الديموغرافية ومعدلات نمو الاشتراكات. فتفعيل المادة (89/أ) يقع ضمن القدرة المالية والتحمل الأكتواري للمؤسسة إذا ما أُحيط بقرارات علمية تستند إلى الاستخدام الرشيد لأموال الضمان وتعزيز نقطة التعادل المالي طويلة الأجل.
رابعاً: إدارة حكيمة ورشيدة لاستثمارات أموال الضمان:
تُعد المحفظة الاستثمارية خط الدفاع الأخير لاستدامة النظام. ومن هنا تنبع أهمية تعظيم العوائد الاستثمارية ضمن مستويات مخاطرة مدروسة، وتنويع الأصول في قطاعات إنتاجية وتنموية ذات جدوى عالية، بما يتجاوز أدوات الدين التقليدية، ليحقق صندوق استثمار أموال الضمان عوائد حقيقية تتجاوز ضِعفَي معدلات التضخم على الأقل وتُرفِد الحسابات التأمينية بالسيولة اللازمة.
إن مطالبتنا بتفعيل المادة (89/أ) تنطلق من رؤية شمولية ترى في الضمان الاجتماعي مظلة أمان مجتمعي ودعامة للاستقرار الاقتصادي؛ رؤية تجمع بين الشجاعة في إقرار الحقوق لأصحابها، والحصافة في إدارة الموارد لضمان حقوق الأجيال القادمة.
(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).
خبير التأمينات والحماية الاجتماعية
الحقوقي/ موسى الصبيحي