اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

"مدقق مائي".. وظيفة مقترحة لضبط الهدر تحتاج لمنظومة معايير

مدقق مائي.. وظيفة مقترحة لضبط الهدر تحتاج لمنظومة معايير
أخبارنا :  

إيمان الفارس

عمان - بين رقم يظهر على عداد، ومياه تتسرب في زاوية مجهولة من منشأة، تمتد مساحة ما تزال بحاجة إلى عين مهنية تقيس وتدقق وتكشف أين تذهب المياه فعليا.

ومن هذه المساحة تحديدا، تبدأ فكرة "المدقق المائي"، التي تتجه وزارة المياه والري إلى تحويلها من مفهوم فني إلى مهنة وطنية منظمة.

 


ففي ختام ورشة متخصصة نظمتها الوزارة، من خلال إدارة التخطيط الإستراتيجي - مديرية إدارة الطلب على المياه، بالتعاون مع هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها، وبدعم وتمويل من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، جرى تطوير المعيار المهني الوطني لمهنة "مدقق مائي"، عبر مراجعة المهام والكفايات والمهارات المطلوبة، تمهيدا لاعتماده رسميا وبناء برامج تدريبية متخصصة ترفد السوق بكوادر وطنية مؤهلة.

ووفق تحليلات خبراء في قطاع المياه، أكدوا في تصريحات لـ"الغد"، أن الخطوة الحالية تبدو بداية لمسار أوسع من مجرد اعتماد معيار مهني؛ مسار يقوم على تدريب كوادر وطنية، واختبار قدراتها ميدانيا، وقياس الوفورات قبل التدقيق وبعده، ثم بناء سوق مستدام لخدماتها.

وأشار الخبراء إلى أن قيمة الخطوة لا تكمن في إعداد معيار يحدد مواصفات المهنة فحسب، بل في قدرتها على نقل ترشيد المياه من المبادرات المتفرقة إلى ممارسة مهنية تقوم على القياس والتحقق والمساءلة، بما يجعل المدقق قادرا على رصد الاستهلاك، وكشف التسربات، وفحص العدادات، إلى جانب تحليل كفاءة الأنظمة وتحديد فرص التوفير داخل المنشآت.

لكن المعيار، بحسب المختصين، "يصف المهنة ولا ينشئها"، إذ يتطلب تحويله إلى ممارسة فاعلة منظومة متكاملة تبدأ بالتدريب العملي والاعتماد والترخيص، ولا تنتهي عند إيجاد طلب حقيقي على الخدمة.

عناصر حاسمة

وفي قراءة لدور المعيار المهني الوطني في تأسيس مهنة "مدقق مائي"، أكد أستاذ هندسة الموارد المائية في الجامعة الأردنية ومدير مركز المياه والطاقة والبيئة في الجامعة، الدكتور خلدون شطناوي، أن المعيار يمثل خطوة أساسية لتنظيم المهنة وتحديد المؤهلات والمهارات المطلوبة، لكنه "يصف المهنة ولا ينشئها"، ما يجعل التدريب والترخيص ووجود طلب فعلي على الخدمة عناصر حاسمة لتحويله إلى ممارسة مهنية مؤثرة.

وقال شطناوي إن فجوة التدقيق لا تقتصر على المياه التي تفقدها الشبكات قبل وصولها إلى المشترك، بل تمتد إلى ما يحدث داخل المنشآت بعد ذلك، إذ إن الفاتورة الشهرية تقدم رقما إجماليا لا يكشف بالضرورة عن أنماط الاستهلاك أو التسربات البطيئة.

ودعا في هذا السياق إلى ضرورة أن يكون التدقيق المائي "دوريا يوازن بين ما يدخل المنشأة وما يُستهلك فيها"، بما يساعد على تحديد مواقع الهدر وفرص التوفير بصورة دقيقة.

وأشار شطناوي إلى أن نجاح المعيار يتطلب أكثر من تأهيل أشخاص وحصولهم على شهادات، محذرا من أن تحويل المهنة إلى مجرد دورة تدريبية وشهادة قد ينتج "حملة شهادات لا مدققين".

وضرب مثالا بالتحقق من دقة العدادات، باعتباره خطوة أساسية في التدقيق المائي، لكنها قد تتجاوز أحيانا بسبب حاجتها إلى وقت وعمل ميداني، ما يؤدي إلى تقارير تبدو سليمة، فيما تكون الموازنة المائية التي تستند إليها غير دقيقة من الأساس.

وأكد أن القيمة الحقيقية للمدقق لا تكمن فقط في معرفته بالإجراءات، وإنما في "التزامه بها"، إلى جانب ضرورة وضع منظومة مهنية متكاملة تشمل ترخيصا قابلا للتجديد وقواعد تضمن استقلالية المدقق، بحيث لا يجمع بين مهمة التدقيق وبيع الأجهزة أو تقديم الحلول التي قد ترتبط بتوصياته.

أسواق للمدققين

وبحسب شطناوي، فإن التحدي الأكبر أمام مأسسة المهنة يتمثل في خلق طلب فعلي على خدمات المدققين، إذ يمكن تأهيل كوادر وطنية متخصصة من دون أن تجد سوقا كافية لخدماتها، في ظل عدم لجوء المنشآت إلى هذه الخدمة بصورة تلقائية.

ولذلك، فإن الطلب قد يحتاج إلى أن يرتبط إما بإلزام تنظيمي أو بوجود جدوى اقتصادية واضحة تجعل المنشأة ترى في التدقيق أداة لتحقيق وفر فعلي في استهلاك المياه.

وشدد على أن نجاح المهنة لا ينبغي أن يقاس بعدد المدققين المعتمدين، وإنما بنتائج التدقيق على أرض الواقع، مؤكدا أن "المقياس الحقيقي لنجاح المهنة ليس عدد المدققين المعتمدين، بل الكميات التي وفرت فعلا بعد تنفيذ التوصيات".

ورأى شطناوي أن وزارة المياه والري "بدأت من الأساس الصحيح"، إلا أن البناء على المعيار من خلال التدريب والترخيص وضمان جودة الممارسة وخلق الطلب على الخدمة هو ما سيحدد قدرته على التحول إلى رافد فعلي لرفع كفاءة استخدام المياه ودعم الإدارة المستدامة للموارد المائية في الأردن.

إطار للكفايات

وفيما يتعلق بدور المهنة، أكدت الخبيرة الأردنية في دبلوماسية المياه، المهندسة ميسون الزعبي، أن المعيار المهني الوطني لمهنة "مدقق مائي" يمثل خطوة مهمة نحو تأسيس مهنة متخصصة قادرة على رفد السوق الأردني بكوادر وطنية مؤهلة في مجال رفع كفاءة استخدام المياه والحد من الهدر، مشيرة إلى أن أهمية المعيار لا تقتصر على تحديد مهام المدقق، وإنما تمتد إلى وضع إطار واضح للكفايات والمهارات والمعارف اللازمة لممارسة المهنة.

وقالت الزعبي إن هذا الإطار يمكن أن يشكل مرجعية موحدة لبناء برامج التدريب والاعتماد والممارسة المهنية، خصوصا أن دور المدقق المائي يتجاوز متابعة معدلات الاستهلاك ليشمل المسوحات الميدانية، وقياس التدفقات، والكشف عن التسربات، وتقييم كفاءة الأنظمة والمعدات وشبكات الري، فضلا عن مراجعة العدادات وتحديد فرص الترشيد وتحسين كفاءة استخدام المياه داخل المنشآت.

وأضافت أن الحاجة إلى هذه المهنة تمتد إلى قطاعات متعددة، تشمل المباني الحكومية والمؤسسات العامة والمنشآت الصناعية والتجارية والفنادق والقطاع الزراعي والمنشآت السكنية والمجمعات العقارية، فضلا عن الجهات العاملة في إدارة المياه والبنية التحتية، ما يعزز فرص تحولها إلى أداة عملية لدعم إدارة الطلب على المياه.

وأكدت أن قوة المعيار الحقيقية ستظهر في المرحلة التي تلي اعتماده، إذ إن وجود معيار واضح "يشكل الأساس"، لكن الأثر الفعلي يتطلب ربطه ببرامج تدريب تطبيقية ونظام واضح للاعتماد والترخيص، إلى جانب إيجاد حوافز أو متطلبات تشجع المنشآت ذات الاستهلاك المرتفع على الاستعانة بمدققين مؤهلين.

مأسسة المهنة

ولفتت الزعبي إلى أن مأسسة المهنة تواجه تحديات تشريعية وتنظيمية وفنية، من أبرزها تحديد نطاق المهنة وشروط مزاولتها والجهة المسؤولة عن اعتماد المدققين وتنظيم أعمالهم وضمان جودة التقارير، إلى جانب تطوير منهجيات وطنية موحدة للتدقيق، تقوم على جمع البيانات وقياس الاستهلاك وتحليل مصادر الهدر وتحديد فرص تحسين الكفاءة، وصولا إلى توصيات قابلة للتنفيذ والمتابعة.

وأشارت إلى أن تأهيل المدققين يتطلب بناء قاعدة من الكوادر التي تجمع بين المعرفة في مجالات المياه والهندسة والقياس وتحليل البيانات والتقنيات الحديثة، مؤكدة أهمية الشراكة بين وزارة المياه والري والجامعات والجهات المهنية والبحثية، إلى جانب الاستفادة من الخبرات والتجارب الدولية، بما يضمن ارتباط المعيار باحتياجات قطاع المياه وسوق العمل في الأردن.

كما شددت على أهمية البيانات وأدوات القياس في إنجاح المهنة، إذ تعتمد جودة التدقيق على توفر بيانات دقيقة وموثوقة حول الاستهلاك وطبيعة الاستخدام ومصادر الفاقد، فيما يمكن للتوسع في العدادات الذكية والأنظمة الرقمية وتحليل البيانات أن يرفع دقة أعمال التدقيق ومستوى الثقة بمخرجاتها.

وفي الجانب الاقتصادي، دعت إلى التعامل مع التدقيق المائي باعتباره أداة لتحسين كفاءة التشغيل وتقليل الهدر وخفض الكلف على المدى البعيد، وليس "تكلفة إضافية" على المنشآت، مشيرة إلى أهمية توفير حوافز وبرامج تمويل تشجع على تنفيذ توصيات المدقق وتحويل نتائج التدقيق إلى إجراءات عملية.

وأكدت كذلك ضرورة أن تنظر المنشآت إلى المدقق المائي باعتباره جزءا من منظومة متكاملة تبدأ بالقياس وجمع البيانات وتحليل الاستهلاك وتحديد مصادر الهدر، ثم وضع الحلول ومتابعة تنفيذها والتحقق من أثرها، وليس مجرد شخص "يقوم بإعداد تقرير".

وأوضحت أن اختلاف طبيعة القطاعات يفرض مرونة في تنظيم المهنة، إذ تختلف احتياجات المنشآت الصناعية عن الزراعية والسياحية والمباني العامة، ما يستدعي أن يراعي نظام التأهيل والاعتماد هذا التنوع، مع إمكانية تطوير مسارات وتخصصات مهنية تتناسب مع طبيعة كل قطاع.

وشددت الزعبي على أن نجاح مأسسة المهنة يتطلب تكامل الأدوار بين وزارة المياه والري والجهات الحكومية والجامعات والجهات المهنية والقطاع الخاص والجهات البحثية، بحيث تتكامل منظومة التدريب والاعتماد والممارسة والمتابعة، مؤكدة أن "الهدف النهائي يجب أن يكون تحويل نتائج التدقيق المائي إلى إجراءات فعلية على أرض الواقع".

وقالت إن أهمية مأسسة مهنة "المدقق المائي" لا تكمن فقط في إيجاد مهنة جديدة في سوق العمل، وإنما في بناء أداة مهنية تدعم سياسات إدارة الطلب على المياه، وتحسن كفاءة الاستخدام، وتعزز دور البيانات والتكنولوجيا في اتخاذ القرار، بما يسهم في تعزيز الإدارة المستدامة للموارد المائية في الأردن.

تطوير المعيار المهني

وبالنظر إلى أهمية التدقيق، أكد الخبير الإقليمي في مجال التعاون في قطاع المياه، المهندس مفلح العلاوين، أن تطوير المعيار المهني الوطني لمهنة "مدقق مائي" يمثل خطوة نوعية للانتقال بترشيد المياه من المبادرات المتفرقة إلى "ممارسة مهنية مؤسسية قائمة على الكفاءة والقياس والمساءلة".

وقال العلاوين إن أهمية المعيار تتمثل في تحديد المهارات والمعارف والمسؤوليات المطلوبة وتوحيد منهجيات العمل، بما يساعد على إعداد كوادر وطنية قادرة على تشخيص أنماط الاستهلاك وتحديد مواقع الهدر وتحليل كفاءة الأنظمة المائية، علاوة على اقتراح حلول فنية واقتصادية قابلة للتنفيذ.

وأشار إلى إمكانية أن يفتح المعيار فرصا مهنية جديدة للشباب والمهندسين والفنيين، إلى جانب تعزيز دور القطاع الخاص في تقديم خدمات متخصصة في إدارة الطلب على المياه، إلا أن نجاحه لا يقاس بعدد الحاصلين على شهادات تدريبية، وإنما بقدرتهم على تحقيق "وفر مائي حقيقي وموثق".

ولذلك، شدد على أهمية ربط التأهيل النظري بالتدريب العملي، ووضع نظام واضح للاعتماد المهني وآليات للتحقق من جودة أعمال التدقيق ونتائجها.

وبحسب العلاوين، يكمن التحدي الأكبر في الانتقال من إعداد المعيار إلى خلق طلب فعلي ومستدام على خدمات المدقق المائي، من خلال تحديد المنشآت والقطاعات التي يمكن أن تستفيد من هذه الخدمات، كالمباني العامة والمستشفيات والفنادق والمنشآت الصناعية والتجارية، وربط التدقيق بخطط تحسين الكفاءة والحوافز التمويلية، مع دراسة إدراجه ضمن متطلبات بعض القطاعات وفقا للجدوى والأطر التشريعية المناسبة.

تحديات إضافية

ولفت العلاوين إلى تحديات أخرى تتعلق بتوفر البيانات الدقيقة وتكلفة أجهزة القياس وتمويل إجراءات التحسين، فضلا عن ضرورة ضمان استقلالية المدقق ووضوح مسؤولياته المهنية، محذرا من أنه "من دون بيانات موثوقة ومتابعة لتنفيذ التوصيات، قد يتحول التدقيق إلى تقرير فني لا ينعكس على الاستهلاك الفعلي". وشدد العلاوين على أهمية التمييز بين التدقيق المائي على مستوى المنشآت والمستهلكين، وبين إدارة الفاقد في شبكات التوزيع، مع تحقيق التكامل بين المسارين دون الخلط بين الاختصاصات، باعتبار أن لكل منهما أدوات ومهارات ومؤشرات أداء مختلفة.

واعتبر أن المسار الأمثل يبدأ باعتماد المعيار، ثم تطوير برامج تدريب وتقييم عملية وتنفيذ مشاريع تجريبية في قطاعات مختارة، مع قياس الوفورات المحققة قبل التدقيق وبعده، وصولا إلى بناء سوق وطني مستدام لخدمات التدقيق المائي.

وأكد أن الشراكة بين وزارة المياه والري ومؤسسات التعليم والتدريب والقطاع الخاص والجهات التمويلية ستكون حاسمة في تحول المعيار من إطار مهني إلى "منظومة مهنية متكاملة"، تسهم في رفع كفاءة استخدام المياه وتعزيز إدارة الطلب عليها بصورة أكثر فاعلية.

ــ الغد

مواضيع قد تهمك