اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. جمال المصري : لماذا تخشى النقابات ديوان المحاسبة؟

د. جمال المصري : لماذا تخشى النقابات ديوان المحاسبة؟
أخبارنا :  

يشهد الشارع الأردني والأوساط المهنية هذه الأيام جدلاً واسعاً، وصل حد التلويح بالاعتصامات والتصعيد من قِبل نقابات مهنية، رفضاً لإخضاع صناديقها لرقابة ديوان المحاسبة. وفي خضم هذا السجال القانوني والسياسي، نجد أنفسنا أمام مفارقة عجيبة تضع شعارات الإصلاح والحاكمية الرشيدة التي طالما نادت بها هذه المؤسسات لسنوات على محك الاختبار الحقيقي.


منذ عقود، كانت النقابات المهنية، وامتداداتها الحزبية وكتلها النيابية، رأس الحربة في المطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد. ولطالما صدحت الأصوات النقابية عاليا تحت قبة البرلمان وفي الندوات العامة بضرورة تفعيل تقارير ديوان المحاسبة، ومحاسبة أي جهة تفرط بالمال العام أو تفتقر إدارتها للشفافية والكفائة. هذا الموقف الوطني المقدر يُفترض أن ينسحب على النقابات نفسها، لا أن يتحول إلى استثناء عندما يقترب مسبار الرقابة من أبوابها. وراء الأرقام الصامتة والحسابات البنكية تكمن حياة آلاف المتقاعدين من أطباء ومهندسين ومعلمين، ممن أفنوا زهرة شبابهم في خدمة هذا الوطن، واقتطعوا من قوت يومهم ليرتكزوا على عكاز تقاعدي يحميهم من تقلبات الزمن. المفارقة المؤلمة اليوم تتجسد في مشهد عائلات أردنية كريمة، تقف عاجزة منذ شهور دون أن تتسلم رواتبها التقاعدية، وهي التي لا تملك مصدراً آخر للرزق لمواجهة أعباء معيشية خانقة.


إن هؤلاء المتقاعدين لم يعودوا يبحثون عن استقلالية النقابة بقدر ما يبحثون عن كرامة العيش وحقهم في ثمرة سنوات تعبهم دفعوا اشتراكاتهم التي كانت تقتطع منهم شهرا بعد شهر لسنوات مديدة؛ مما اضطر الكثير منهم لركوب مشقة اللجوء للقضاء لضمان حصولهم على حقوقهم في رواتبهم التقاعدية المستحقة وضمن عدم توقفها او الاكتفاء بدفع جزء زهيد منها.


إن القلق الحقيقي الذي يعتري المنتسبين والمتقاعدين اليوم يعزز تفادياً واضحاً للمساءلة؛ حيث يبدو أن القائمين على إدارة هذه الصناديق يخشون مواجهة الهيئات العامة والمؤسسات الرقابية بكشف حسابات علنية، قد تزيح الستار عن تراكمات سنوات من سوء التخطيط الاكتواري والفشل الإداري. إن التمترس خلف جدار الاستقلالية لا يمكن أن يكون عذراً مقبولاً عندما يصبح بديلاً عن المصارحة والمكاشفة حول مصير مئات الملايين، بل إن الاستقلالية الحقيقية تُبنى على صلابة الموقف المالي ونزاهته، لا على حجب الدفاتر والحسابات عن التدقيق والرقابة الفنية المحايدة.


لقد خرجت قضية المدخرات النقابية من إطارها الداخلي لتصبح قضية أمن مجتمعي تمس الاستقرار المعيشي لآلاف الأسر، وهو ما يجعل تدخل الدولة بجهازها التنفيذي عبر بسط رقابة ديوان المحاسبة التزاماً دستورياً وأخلاقياً لحماية مواطنيها. فإذا كانت أموال النقابات تأخذ حكم الأموال العامة بقوة القانون نظراً لطبيعة جبايتها الإلزامية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: من يحمي هؤلاء المتقاعدين وينصفهم إذا وقفت الحكومة متفرجة بحجة احترام الخصوصية النقابية؟ فلا يمكن تجزئة مبادئ الحاكمية والمساءلة أو تفصيلها حسب رغبة أي جهة كانت، ولا يمكن للخطاب النقابي أن يطالب الدولة بالشفافية المطلقة بينما يضرب حول صناديقه طوقاً من الكتمان. الشفافية والرقابة ليستا عقابا أو اتهاما مسبقا، بل هما طوق نجاة للصناديق المتعثرة وصمام أمان يضمن عدم تبخر حقوق الأجيال القادمة.


إن مصلحة الوطن وحقوق المتقاعدين تستوجب اليوم تغليب صوت المنطق وفتح الأبواب لرقابة مهنية نزيهة، بدلاً من التلويخ باللجوء للشارع لحجب ملفا ماليا مهما وسياديا، بل يجب أن تكون كتاباً مفتوحاً أمام الجميع وان تخضع لمسألة الدولة وهذا ما يخدم المسألة الشعبية أيضا. فلا ينبغي ان يبقى أحد خارج إطار مجهر الجهات الرقابية والمسائلة، إذا ما اردنا بصدق درئ الفساد واجتثاث ما قد يكون قائما منه.


مواضيع قد تهمك