د. عمر الرداد : نتنياهو بين طوفان الأقصى وصندوق الاقتراع وخيار الهروب إلى حافة الحرب.
تجتاح الساحة الاسرائيلية موجات من التسريبات الأمنية تستهدف كشف حكومة نتنياهو وكيفية تعاملها مع السابع من اكتوبر، بالتزامن مع اقتراب الشارع الإسرائيلي من موعد انتخابات الكنيست المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر، ورغم أنه من الصعب الجزم بأن هذه التسريبات تم انتاجها لأغراض انتخابية بشكل مباشر، إلا أن تأثيرها يكاد يقوّض الركيزة الوحيدة التي اعتمد عليها نتنياهو لإدامة زعامته طوال سنوات بترسيخ صورة الرجل الضامن للأمن المطلق، حيث يحاول اليوم الصمود سياسياً فوق أنقاض دولة اهتزت من جذورها في السابع من أكتوبر، ويجد نفسه عارياً أمام أسئلة التحقيق والمساءلة المباشرة، فالملف لم يعد مجرد "إخفاق استخباري عابر"، بل بات يقترب من حدود الاتهام بالإهمال المتعمد للتحذيرات الجدية، إن لم يكن أخطر من ذلك،بدخوله في مؤامؤة منسقة مع اطراف عديدة من بينها قيادات بحركة حماس.
تكشف خريطة التحالفات واستطلاعات الرأي أن معسكر اليمين بزعامة نتنياهو يعيش أزمة بنيوية حقيقية، ورغم كب ما يقال فان المرجح ان حزب الليكود يترنح، بعدما فقد جزءاً معتبراً من ثقله البرلماني التقليدي، ولا يبدو أن أمام هذا المعسكر مساراً واضحاً للوصول إلى العتبة الحاسمة البالغة 61 مقعداً اللازمة لتشكيل الحكومة، ويشار هنا أن هذه التسريبات لا تستهدف بالأساس الناخب اليميني المتشدد، الذي لا يتزحزح موقفه بسهولة، بل تستهدف شريحة الناخبين المترددين الذين أنهكتهم الحرب وصدمتهم تداعيات الكارثة، والذين باتوا يطالبون برأس القيادة سعياً وراء ترميم عقد اجتماعي يكاد يتفكك بالكامل.
مساحات المناورة تضيق امام نتنياهو، وهو الذي عُرف تاريخياً بإدمانه صناعة الأزمات وتوظيفها سياسياً، لكنه يدرك جيداً أن "الأمن" هو آخر أوراقه المتبقية، وأن مؤسسته العسكرية عاجزة عن حسم المعارك ، علاوة على ان هذه المؤسسة تعيش شكوكا عميقة بعد علاقات متشنجة مع نتنياهو واليمين الاسرائيلي، لذا فان خيار التصعيد العسكري : في غزة المنهكة، أو عبر الجبهة الشمالية الملتهبة مع حزب الله، أو حتى في مغامرة محفوفة بالمخاطر ضد إيران، يبدو خيارا إجباريا ، يتجاوز الرفاهية السياسية والمستويات التكتيكية الصغيرة ، لكن نتنياهو يواجه معضلة اعمق مما يبدو على السطح، تكمن في أن الحرب في مرحلة ما بعد "الطوفان"، تحولت إلى سلاح ذي حدين قاتلين، فعملية عسكرية سريعة وحاسمة قد تمنح نتنياهو طوق نجاة مؤقتاً، تعيد تسويقه بوصفه " الملك ورجل إسرائيل القوي" القادر على استعادة الردع والمبادرة، أما الانزلاق نحو حرب استنزاف طويلة، أو تكبد خسائر استراتيجية كبرى، أو الوقوع مجدداً في فخ الإخفاق العسكري، فسينقلب السحر على الساحر، ليحوّل الحرب من رافعة انتخابية إلى مقصلة سياسية تُجهز على ما تبقى من رصيده المتهالك.
لهذا السبب، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في أروقة صنع القرار الإسرائيلي لا يتضمن حرباً إقليمية شاملة مفتوحة النتائج، نظراً لما تحمله من مخاطر وجودية، والأرجح أن تلجأ حكومة تصريف الأعمال المتهالكة إلى تصعيد أمني محسوب، أو عمليات نوعية خاطفة ومكثفة، هدفها الأساسي إعادة فرض الملف الأمني على أجندة الناخب، وتنحية ملفات الفساد والإهمال والمساءلة عن واجهة النقاش العام.، ولا شك أن نتنياهو بهذا السيناريو يكرر هنا الخطيئة الاستراتيجية ذاتها، توظيف شبح الحرب هروباً من استحقاق محاسبته على أحداث السابع من أكتوبر، في حين يؤكد الواقع الميداني الدامي أن أي إخفاق عسكري جديد لن يكون سوى شرارة تعيد إشعال الملف ذاته بصورة أكثر قسوة على مستقبله السياسي.
وفي الخلاصة، يبدو بات مؤكدا ان المشهد الحالي يشير الى ان الناخب الإسرائيلي يقف أمام مفترق طرق تاريخي، وصندوق اقتراع لن يرحم أحداً، ولعل التساؤلات اليوم تتركز فيما اذا كان نتنياهو سينجح مجدداً في استثمار الغريزة الأمنية للشارع عبر قرع طبول الحرب؟ أم أن صدمة السابع من أكتوبر ترسخت بعمق في الوعي الجماعي الإسرائيلي، لتكرّس قناعة بأن بقاء هذا الرجل على رأس الهرم هو الخطر الأكبر على مستقبل إسرائيل نفسها؟ الإجابة المرتقبة في صناديق الاقتراع لن تحسم فقط مصير زعيم الليكود، بل ستحمل في طياتها مفاتيح مرحلة جديدة من تاريخ منطقة مضطربة أصلاً، هذه المرحلة الجديدة المرتقبة اصبحت تخضع لضغوط قوى دولية واقليمية وعربية، لطالما عانت مع نتنياهو، وترى في مغادرته المشهد فتح باب جديد، قد لا يؤدي الى سلام في المنطقة، لكنه قد يخفف حدة التصعيد ويفتح افاقا جديدة للسياسة، بدلا من الحروب، وهو ما يتم التعبير عنه سياسيا من قبل كثيرين بالتركيز على التفريق بين اسرائيل ونتنياهو.