د. محمد عبد الحميد الرمامنة : الصديق الذي لا يختلف معك
قد تبدأ الحكاية بسؤال بسيط نكتبه على شاشات هواتفنا: هل أنا مخطئ؟ بعد خلاف مع الزوجة، أو مشكلة في العمل، أو موقف عجزنا عن فهمه، نسرد للذكاء الاصطناعي ما حدث. يصغي حتى النهاية، يرتب الفوضى في رؤوسنا، ويمنح مشاعرنا كلمات هادئة ومقنعة، دون أن يقاطعنا أو يستعجل إنهاء الحديث. شيئًا فشيئًا، يبدو كأننا أمام صديق يعرف تمامًا كيف يستمع إلينا.
لكن هنا تبدأ المفارقة: ماذا يحدث لعلاقاتنا عندما يصبح لدينا صديق لا يختلف معنا؟
الإنسان يبني مهاراته الاجتماعية عبر الاحتكاك؛ من سوء الفهم والانتظار والاعتذار، ومن اكتشاف أن الآخر يرى القصة بطريقة مختلفة. الطفل يتعلم التعاطف حين يكتشف أن صديقه يريد لعبة أخرى، والشاب ينضج حين يسمع رأيًا لا يعجبه، والعلاقات تكتسب عمقها حين يتعلم أصحابها التفاوض حول اختلافاتهم.
في المقابل، يقدم الذكاء الاصطناعي تجربة شديدة السلاسة؛ يتذكر التفاصيل، يعيد صياغة المشاعر، ويساعدنا على قول ما يصعب قوله. ومع تكرار هذا التفاعل، بدأت أبحاث حديثة ترصد تحولًا في تفضيلات بعض المستخدمين لمصادر الدعم العاطفي، مع ميل إلى اختيار الذكاء الاصطناعي في بعض السياقات.
وتتضح الصورة مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى رفيق يومي لدى بعض المستخدمين. فقد كشفت تجارب مستخدمي تطبيقات مثل Replika عن إمكانية نشوء تعلق عاطفي قوي بشخصيات رقمية، وظهور مشاعر فقد لدى بعض المستخدمين عندما تغيرت خصائص التفاعل العاطفي في التطبيق.
تخيل موظفًا يعود إلى منزله بعد يوم عمل متعب، فيحكي للذكاء الاصطناعي خلافه مع مديره. يروي القصة من زاويته، فيحصل على استجابة متفهمة ومنظمة. بعد دقائق يشعر أنه استعاد توازنه. ومع تكرار التجربة، قد يصبح الصديق الذي يتأخر في الرد أكثر إزعاجًا، والشريك الذي يختلف معنا أكثر إرهاقًا، والشخص الذي يقول ربما أنت مخطئ غير مريح.
هنا تدخل المسألة إلى صميم علم النفس السيبراني: التكنولوجيا قد تعيد تشكيل توقعاتنا من الآخرين.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يتحول إلى محامٍ هادئ لروايتنا؛ نعرض عليه المشكلة، فيساعدنا على ترتيب حججنا ويمنح مشاعرنا لغة واضحة. ومع الوقت، قد يصبح الحصول على التحقق أسهل من مواجهة احتمال الخطأ.
نحن نحتاج إلى أن نشعر بأننا مفهومون، ونحتاج كذلك إلى أشخاص يختبرون أفكارنا ويختلفون معنا. فالعلاقات الإنسانية تمنحنا مساحة نتعلم فيها الصبر، والمراجعة، والاعتذار، واحتمال الآخر كما هو.
قد تكون الآلة رفيقًا مريحًا، وقد تساعدنا على التفكير وتنظيم المشاعر والتعبير عنها. لكن الإنسان الذي يشاركنا الحياة يأتي برغباته وذاكرته وحدوده ورؤيته الخاصة.
وهنا تكمن المفارقة: كلما أصبحت الآلة أفضل في فهمنا، قد نحتاج إلى جهد أكبر لفهم البشر؛
فالآلة التي لا تختلف معنا قد تكون ملاذًا مريحًا. أما النضج فيظهر عند اللحظة التي يقف فيها شخص أمامنا ويقول: أنا أراك، لكنني أرى الأمر بطريقة مختلفة.