اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

خالد سامح : «عمنا نجيب» ما قبله...ما بعده

خالد سامح : «عمنا نجيب» ما قبله...ما بعده
أخبارنا :  

مرت قبل أيام الذكرى العشرون لرحيل الكاتب الكبير نجيب محفوظ، صاحب الفضل الأول والأكبر في إطلاق الفن الروائي العربي نحو آفاق عالمية -على الرغم من محلية ما كتبه أحداثاً وشخصيات وأمكنه- ومحتكر أكبر تأثير على المشهد الروائي العربي والأطر التي كتبت فيها الروايات العربية خلال القرن العشرين، والمفارقة أن تأثيره ما زال إلى اليوم حاضراً في الرواية العربية شكلاً ومضموناً، على الرغم من ظهور أجيال تأثرت بأساليب فنية حداثية في كتابة الرواية.

قبل انطلاقة المسيرة الإبداعية لنجيب محفوظ - العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين- كانت الرواية العربية تراوح مستوى معين سواء على صعيد الصياغة الفنية أو اللغة، أما المضامين فقد كانت وعظية على الأغلب ولا تخوض بجرأة في قضايا المجتمعات والتحديات التي كانت تواجهها كطرد الاستعمار وبناء الدولة الحديثة وحرية الإنسان والعلاقة مع الآخر ( المستعمِر) وحقوق المرأة والعلاقة مع الموروث والعادات والتقاليد المتوارثة...الخ ، حتى جاء محفوظ بأعمال تغوص في عمق المجتمع بطبقاته المختلفة المسحوقة منها والبرجوازية وتلامس بكل جرأة تلك القضايا فتُشرح المجتمع وتنتقد توجهاته، وتبين آليات القمع والسلطة التي تتحكم فيه، تاركةً مساحة للتفكير والتأمل الحر والتحريض على اتخاذ مواقف عقلية إزاء ما يحدث بعيداً عن العاطفة والأفكار النمطية التي تربت عليها أجيال.

مع نجيب محفوظ نضجت الرواية العربية، وبلغت من الرفعة والكمال الفني والعمق الفلسفي مستوى أهلها لتكون شاهدة على الحقب العاصفة التي مر بها العرب في القرن العشرين، وأداة فعّالة للنقد السياسي والاجتماعي والفكري، فحظيت باهتمام وإقبال جماهيري أكبر، وتخطت حاجز اللغة فترجمت إلى العديد من اللغات الحية حول العالم، ما مهد لبروز أسماء عديدة لم تنكر تأثرها بأجواء رواياته وقصصه وجرأته الكبيرة في مقاربة مواضيع كما لم يجرؤ أحد من قبل على مقاربتها مصرياً وعربياً، فكان محفوظ الذي كاد أن يدفع حياته ثمناً لذاك الإصرار وتلك المثابرة على طرح الأسئلة وقذف الحجارة في المياه الراكدة للعقل العربي مستحقاً بأن يكون المثال الذي يحتذى في تلك الشجاعة.

بين ما قبل محفوظ وما بعده رحلة طويلة من الإبداع الخلاق المنحاز لحرية الإنسان، امتدت على مدى تجاوز نصف عدد السنوات التي عاشها (95 عاماً)، وضع الرجل خلالها أعمالاً باتت علامات مرجعية في الأدب العربي والعالمي وأبرزها «الثلاثية» ( بين القصرين وقصر الشوق والسكرية) و «ميرمار» و»ثرثرة فوق النيل» و»اللص والكلاب» وغيرها من الروائع الخالدة التي كانت تحولات المجتمع المصري والعربي مسرحاً لها، إضافةً لما عبرت عنه من أزمة وجودية يعيشها الإنسان المعاصر.

ولكن..

إذا كان ما قبل نجيب محفوظ من سرد يصنف ضمن التقليدي والوعظي الممل، فكيف لنا أن نصف ما جاء بعد المرحلة المحفوظية؟ هل نظلمه إن قلنا أنه في المجمل أدب تجاري يلهث خلف الجوائز والأعطيات المادية التي يسيل لدولاراتها اللعاب، والتي حولت الكُتاب ( الشباب منهم والمُكرسين) -كما يذهب البعض من متابعي المشهد السردي العربي - إلى متسولين يستجدون النجومية والتكريمات، وأقصى ما يتمنوه الفوز في المسابقة الفلانية أو المشاركة في الاحتفالية العلانية؟

كم لدينا الآن من نقاد جريئين يمكن أن يجيبوا بصراحة على مثل ذاك السؤال، ويؤشروا إلى الأسباب التي هوت بالحركة الأدبية العربية وأسقطتها في عوالم «البزنس» البعيدة عن روح الفن ومرامي الأدب.

أخيراً...

سلاماً لروح عمنا نجيب ( كما يحلو للكتاب المصريين أن يسموه) ولزمن من الإبداع الحقيقي والنظيف.


مواضيع قد تهمك