اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. صالح سليم الحموري : شقلبة المجتمع

د. صالح سليم الحموري : شقلبة المجتمع
أخبارنا :  

لأجيال طويلة، كانت المدينة هي الحلم.


كان ابن القرية ينظر إلى المدينة باعتبارها بوابة المستقبل: وظيفة أفضل، دخل أعلى، جامعة، شركة، مكتب، سيارة، شقة، وفرص لا تنتهي. وكان الانتقال من القرية إلى المدينة يُقرأ اجتماعيًا باعتباره انتقالًا إلى حياة أكثر نجاحًا وتقدمًا.


اليوم، يبدو أن شيئًا ما قد انقلب.


أصبحنا نرى ابن المدينة يحلم بما كان ابن القرية يحاول مغادرته.


موظفٌ قضى عشرين عامًا بين المكاتب والاجتماعات والازدحام، وربما أمضى نصفها في الغربة، يحلم اليوم بقطعة أرض صغيرة. مديرٌ تنفيذي يتحدث عن مزرعته في "جرش" بحماس يفوق حديثه عن مكتبه ومنصبه. عائلة تبحث عن بيت بعيد عن صخب وسط المدينة، تحيط به حديقة تزرع فيها الخضار، وبعض الأشجار، وربما تربي فيها عددًا قليلًا من الدجاج.


وآخرون بدأوا يتحدثون عن العمل عن بُعد من قرية أو مزرعة أو بيت هادئ في «جُبّة» — مثلي أنا — وكأننا نعيد اكتشاف شكلٍ آخر للحياة؛ حياة أبطأ إيقاعًا، أقرب إلى الأرض، وأبعد قليلًا عن ضجيج المدينة وازدحامها الذي استهلك سنوات طويلة من أعمارنا.


وفي الجهة الأخرى، ما زال كثير من أبناء القرى والمناطق الريفية يتطلعون إلى المدينة بحثًا عن الوظيفة والدخل، والتعليم، والخدمات، والفرص.


إنها "شقلبة اجتماعية" غريبة: ابن القرية يريد مكتبًا في المدينة، وابن المدينة يريد مزرعة في القرية.


لكن المسألة أعمق من مجرد اختلاف في الأذواق.


فالإنسان لا يبحث فقط عن المكان؛ إنه يبحث عما ينقصه.


من يعيش في القرية قد يرى محدودية الفرص، فيبحث عن اتساع المدينة. ومن يعيش في المدينة قد يمتلك الفرص، لكنه يفتقد الهدوء والوقت والطبيعة والعلاقات الإنسانية البسيطة، فيبدأ بالبحث عنها خارجها.


الأول يبحث عن "الفرصة"، والثاني يبحث عن "المعنى".


لقد بنت المدينة الحديثة نموذجًا شديد الجاذبية للنجاح: أن تعمل أكثر، وتكسب أكثر، وتسكن في مكان أغلى، وتصعد وظيفيًا، وتملأ جدولك بالاجتماعات والمواعيد. لكن بعد سنوات من الركض، بدأ بعض الناس يطرحون سؤالًا مختلفًا: ثم ماذا؟


ماذا لو كان النجاح أن أملك وقتي؟


ماذا لو كانت الرفاهية الحقيقية ليست شقة أعلى في برج، وإنما مساحة أوسع تحت السماء؟


وماذا لو أصبحت الحديقة الصغيرة، وشجرة الزيتون، وفنجان القهوة في الصباح دون ازدحام، رموزًا جديدة للثراء؟


التكنولوجيا زادت هذه المفارقة قوة. فالعمل الذي كان يحتاج إلى مكتب في قلب المدينة يمكن في كثير من المهن أن يتم اليوم من أي مكان. والاجتماع الذي كان يتطلب ساعة في الطريق أصبح شاشة تُفتح خلال ثوانٍ. ومع الذكاء الاصطناعي والعمل المرن والعمل عن بُعد، بدأت العلاقة القديمة بين مكان السكن ومكان العمل تتفكك.


وهنا قد نكون أمام تحول أكبر من موضة شراء المزارع والبيوت الريفية.


ربما نحن أمام إعادة تعريف لمفهوم "الحياة الجيدة".


فالمدينة لن تختفي، والقرية لن تصبح البديل الكامل عنها. المدن ستظل مراكز الاقتصاد، والمعرفة، والثقافة، والابتكار. والريف لن يكون جنة خالية من المشكلات؛ فالحياة فيه لها تحدياتها وخدماتها المحدودة ومتطلباتها الاقتصادية.


لكن الحدود بين الاثنين بدأت تتغير.


قد يكون إنسان المستقبل شخصًا يريد فرص المدينة دون ضجيجها، وهدوء الريف دون عزلته.


وهنا تصبح القضية تحديًا أمام مخططي المدن والحكومات أيضًا: كيف نصنع مدنًا تمنح الإنسان ما يذهب للبحث عنه في الريف؟ مساحات خضراء، مجتمعات محلية، مشيًا أكثر، وقتًا أقل في الطرق، تواصلًا إنسانيًا، وبيئة تجعل الإنسان يشعر أنه يعيش، لا أنه ينتقل يوميًا بين المنزل والعمل.


وفي المقابل، كيف نمنح القرى والمناطق الريفية ما يذهب أبناؤها بحثًا عنه في المدينة؟ الإنترنت، التعليم، الخدمات، الوظائف، ريادة الأعمال، والبنية التحتية التي تسمح للشاب أن يبقى في قريته دون أن يدفع ثمن ذلك من مستقبله.


عندها لن يكون السؤال: المدينة أم الريف؟


بل: كيف نصنع مكانًا يجمع أفضل ما في الاثنين؟


ربما هذه هي "شقلبة المجتمع" الحقيقية.


قضينا عقودًا نبني مدنًا ليهاجر الناس إليها، وقد نقضي العقود القادمة نعيد تصميم المدن حتى لا يحلم سكانها بالهروب منها.


والأجمل في المفارقة أن ابن القرية ما زال ينظر إلى أضواء المدينة ويقول: هناك مستقبلي.


بينما يجلس ابن المدينة خلف نافذة مكتبه، ينظر إلى صورة مزرعة خضراء على هاتفه ويقول:


هناك حياتي.


مواضيع قد تهمك