المرصد الحضري التنموي" الجديد.. هل ستصبح بيانات المدن أداة قرار؟
فرح عطيات
عمان- يضع إدراج بند "المرصد الحضري التنموي" ضمن مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد البلديات أمام مهمة بناء منظومة دائمة لتحديث البيانات، والتحقق منها، وربطها بقرارات التخطيط والموازنات والمشروعات، مع تحديد واضح للمسؤوليات ومنهجيات موحدة لجمع المعلومات.
لكن قيمة هذه المنظومة لا ترتبط بحجم البيانات التي ستجمعها فقط، وإنما بقدرتها على تحويلها إلى معلومات ومؤشرات تستخدم "فعليا" في التخطيط وصناعة القرار.
فالبيانات المتعلقة بالسكان، واستعمالات الأراضي، والنقل، والبنية التحتية، والأنشطة الاقتصادية والبيئية، يمكن أن ترسم صورة "أكثر دقة" عن واقع المدن واتجاهات نموها.
ويضع مختصون أمام هذا المشروع "تحديا" يتجاوز إنشاء منصة إلكترونية لعرض الخرائط والأرقام؛ إذ يحتاج المرصد إلى منظومة مؤسسية تحدد مصادر البيانات، وآليات تحديثها، والتحقق منها، وكيفية ربطها واستخدامها في الخطط والموازنات والقرارات.
لكن نائب رئيس الوزراء ووزير الإدارة المحلية، م. وليد المصري، يؤكد أن البلديات لديها "مرصد حضري" يشمل خرائط نظم المعلومات الجغرافية التي تغطي مختلف مناطقها، وبيانات المدارس، والمراكز الصحية، والشوارع، وعدد السكان، وتلك المتعلقة بالجامعيين والمؤهلات العلمية المتوافرة، بالتنسيق مع دائرة الإحصاءات العامة.
ولفت، في تصريحات لـ"الغد"، إلى أن البيانات المتوافرة تشمل كذلك المشاريع الاقتصادية القائمة، وعدد رخص المهن، وعدد التجار والصناعيين والحرفيين.
وشدد على أن خريطة استعمالات الأراضي أُنجزت، لكن حوسبة المخططات التنظيمية سينتهي العمل فيها بين شهري شباط (فبراير) وآذار (مارس) المقبلين، ليصار إلى تضمينها في المرصد الحضري.
ونوه إلى أن المعلومات التي جرى تحديثها في المراصد هي تلك المتعلقة باستعمالات الأراضي والمخططات التنظيمية التي جرت حوسبتها في نحو 30 بلدية.
وبموجب بنود قانون الإدارة المحلية الجديد، سينشأ "مرصد حضري تنموي" موحد، تستطيع البلديات عبره الدخول إلى البيانات الخاصة بكل منها، لكن المعلومات لن تكون متاحة أمام المواطنين وغيرهم بشكل مباشر، بل عبر طلبها من البلدية وبشكل رسمي، بحسبه.
وشدد على أن الحصول على المعلومات من قبل الجهات والأفراد "لن يكون أمرا صعبا"، لأنها لا تحتوي على "بيانات سرية".
وأضاف أن تحديث البيانات يأتي ضمن إطار البرنامج الوطني الشامل القائم حاليا لمختلف الجهات، وبالتعاون مع وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة.
وفي كل بلدية دائرة متخصصة بتكنولوجيا المعلومات، ولديها كوادر مؤهلة قادرة على تحديث البيانات بشكل دوري، لكنها تتطلب "جهدا ووقتا"، لأنها ليست أمرا "سهلا".
منظومة مؤسسية
ومن وجهة نظر مستشار العمارة والتصميم الحضري الدكتور المهندس مراد الكلالدة، فإن المرصد الحضري ليس مجرد موقع إلكتروني لعرض الأرقام، بل منظومة مؤسسية لجمع البيانات وتحديثها وربطها وتحليلها، بما يشمل البيانات المكانية والسكانية والعمرانية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
وأكد لـ"الغد" أن الأردن يمتلك "كما كبيرا" من البيانات الموزعة بين البلديات والوزارات والمؤسسات المختلفة، والتي تتطلب تحويلها إلى معلومات ومؤشرات قابلة للقياس والمقارنة مكانيا وزمنيا، لتصبح أساسا للتخطيط وتحديد الأولويات، وتوجيه الاستثمار، وقياس نتائج السياسات والمشروعات.
ولا ينبغي أن يقتصر عمل المرصد على ما يحدث داخل المدينة القائمة، بحسبه، بل عليه أن يرصد اتجاهات التكتل الحضري (Agglomeration)، وامتداد التجمعات العمرانية، واقترابها أو اندماجها، وأن يساعد المخطط على التعرف إلى مراكز النمو المحتملة، ومحاور التنمية التي يمكن توجيه الاستثمار والبنية التحتية والنقل العام إليها.
وهذه الخطوة، وفقا له، ستسهم في أن تصبح البيانات أداة لتحقيق تنمية مكانية "أكثر توازنا"، بدلا من استمرار تركز السكان والاستثمارات والخدمات في مراكز "حضرية محدودة".
وضرب مثالا عمليا على ذلك في مدينة عمّان، حيث يربط المرصد بيانات استعمالات الأراضي بالحركة المرورية، فيحدد "النقاط السوداء" للازدحام الناتجة عن تركز الاستعمالات التجارية والخدمية على الطرق الشريانية.
وكل ذلك سيساعد في دراسة نقل بعض هذه الاستعمالات، أو إعادة توزيعها باتجاه مراكز المناطق والأحياء، بما "يخفف الضغط" عن المحاور الرئيسة ويقرب الخدمات من السكان.
ويحذر من "الخطر في اختزال المرصد الحضري في منصة إلكترونية" تعرض خرائط وأرقاما لا يتم "تحديثها" ولا تدخل "فعليا" في عملية التخطيط، فالمنصة ليست المرصد، بل "نافذته فقط".
وشدد على أن المرصد يحتاج إلى "بنية مؤسسية" تحدد مصادر البيانات، ومسؤولية تحديثها والتحقق منها، وربطها وتبادلها، ثم آلية واضحة لاستخدامها في الخطط والموازنات والقرارات ومراقبة نتائجها.
وتحفظ على مصطلح "المرصد الحضري التنموي" الذي أُدخل في قانون الإدارة المحلية المعدل لسنة 2026، لأن إضافة كلمة "التنموي" يجب ألا تؤدي إلى "حصر" وظيفة المرصد، أو "تحول" دون إنشاء مراصد حضرية على مستوى المحافظات والبلديات.
وبين أن المرصد يرصد الواقع الحضري وتحولاته، بينما التنمية هي إحدى مخرجات استخدام بياناته، ومؤشراتها أداة لقياس نجاح السياسات والخطط أو فشلها، ما دعاه إلى اقتراح مصطلح "المرصد الحضري" لكونه أكثر "دقة وشمولا".
ولتحويل فكرة المرصد إلى واقع حقيقي، دعا إلى ألا تكون البداية بشراء البرامج أو البحث عن التمويل، وإنما بوضع "إطار وطني موحد" للمراصد الحضرية يحدد مستوياتها، وعلاقتها ببعضها، ومجموعات البيانات والمؤشرات، ومنهجيات جمعها وتحديثها، والمسؤوليات المؤسسية ومعايير تبادل البيانات.
ومن أهم وظائف هذه المنظومة، كما يراها، أن تربط أماكن العيش بمواقع العمل والنشاط الاقتصادي.
ولفت إلى أن المدينة لا يمكن دراستها "بمعزل" عن الإقليم الاقتصادي الذي يخدم سكانها؛ ولذلك ينبغي أن تربط بيانات السكان والإسكان والنقل العام وشبكات الطرق بالمدن والمناطق الصناعية والتعدين والزراعية والمواقع السياحية وغيرها من مراكز النشاط الاقتصادي.
وتابع حديثه: "ومن هنا يمكن تحديد مراكز النمو ومحاور التنمية، وتوجيه شبكات الطرق والنقل العام والبنية التحتية والخدمات والاستثمارات إليها، بدلا من أن يتبع التخطيط العمراني النمو العشوائي بعد حدوثه".
واشترط لتحقيق ذلك تمويلا لبناء القدرات وتطوير البنية الرقمية واستكمال قواعد البيانات. ويمكن الاستفادة من التمويل الدولي في مرحلة التأسيس، لكن استدامة المرصد يجب أن "تمول مؤسسيا"، لأن تحديث البيانات وظيفة حكومية ومحلية "دائمة"، وليست مشروعا "مؤقتا" ينتهي بانتهاء المنحة.
وشدد على ضرورة التمييز بين استقلالية المؤسسة والبيانات، إذ من الضروري أن تكون منهجيات جمع البيانات وتحليلها ومؤشراتها "موحدة وشفافة"، وألا يتم "انتقاء" المؤشرات أو "تعديل" منهجياتها لإظهار أداء جهة معينة "بصورة أفضل".
ودعا إلى أن تكون البيانات والمؤشرات الحضرية "مفتوحة ومتاحة للجمهور"، باستثناء ما يتعلق بـ"الخصوصية" و"حماية البيانات الشخصية" أو "الاعتبارات الأمنية".
ولفت إلى أن إتاحة البيانات أمام الجامعات والباحثين والمخططين والمستثمرين والمواطنين لا تعزز "الشفافية فقط"، وإنما تسمح أيضا "بإنتاج دراسات" و"حلول جديدة" و"الاستفادة الاقتصادية من البيانات العامة".
تطوير مفهوم الإدارة المحلية
وبرأي الأمين العام المساعد الأسبق لوزارة البلديات والمستشار لأمين عمّان، م. مروان الفاعوري، فإن الحديث عن إنشاء مراصد حضرية في البلديات يمثل "خطوة مهمة" في تطوير مفهوم الإدارة المحلية.
إلا أنه أكد لـ"الغد" أنه لا ينبغي التعامل مع المرصد باعتباره "موقعا إلكترونيا جديدا" أو "منصة لعرض الأرقام والمعلومات"، وإنما باعتباره "مركزا دائما" للمعلومة والتحليل واستشراف احتياجات المدينة وصناعة القرار المبني على البيانات.
وأشار إلى أن ثمة فرقا بين "منصة معلومات" و"المرصد الحضري"؛ فالمنصة تعرض ما لديها من بيانات، أما المرصد الحقيقي فيجمع البيانات من مصادر متعددة، ويتحقق منها، ويحللها، ويربط بينها مكانيا وزمنيا، ويحولها إلى مؤشرات تساعد رئيس البلدية والمجلس البلدي وصانع القرار والمستثمر والباحث والمواطن على فهم واقع المدينة واتجاهاتها المستقبلية.
ولفت إلى أن التجارب الدولية تؤكد أن المراصد الحضرية ليست "مجرد مستودعات" للمعلومات، بل "شبكات" تجمع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية لبناء قاعدة معرفية مشتركة للمدينة.
وأجمل أهم المعايير التي لا بد من توافرها في المرصد بوجود "منهجية موحدة" لتعريف المؤشرات وطرق احتسابها، حتى لا تمنح كل بلدية "رقما مختلفا" للمفهوم ذاته، وأن تكون البيانات "دقيقة" و"موثقة المصدر" وقابلة للتحديث والمقارنة عبر السنوات.
ومن بين المعايير الأخرى التي أوردها، الاعتماد بصورة رئيسة على نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، لأن المعلومة الحضرية "لا تكفي دون معرفة موقعها الجغرافي"، مع أهمية الربط الإلكتروني بين البلدية والوزارات والمؤسسات المزودة للبيانات، بدلا من الاعتماد على "المخاطبات الورقية التقليدية".
وبالإضافة إلى ذلك، يجب الاعتماد على "سياسة واضحة" للبيانات المفتوحة، مع حماية المعلومات "الشخصية" والبيانات التي تتطلب "السرية"، وتحديد دورية تحديث كل مؤشر، سواء كان ذلك يوميا أو شهريا أو ربع سنوي أو سنويا، تبعا لطبيعته.
ودعا إلى إصدار تقارير دورية عن حالة المدينة، وليس "الاكتفاء بلوحات المعلومات الإلكترونية"، فضلا عن أن تكون هناك "استقلالية مهنية للمعلومة"؛ فالمرصد لا ينبغي أن ينتج الأرقام التي ترغب الإدارة في الحديث عنها، وإنما الأرقام التي تعكس الواقع كما هو.
وأضاف أن المشكلة في كثير من المؤسسات ليست دائما "غياب البيانات"، بل توفرها لدى جهات متعددة و"بشكل مجزأ" و"غير مترابط"، وأحيانا مختلفة في "تعريفاتها وتوقيت تحديثها".
ولا يعتقد أن الخيار يجب أن يكون بين إنشاء مرصد مركزي واحد أو مراصد مستقلة تماما لكل بلدية، لكن الأنسب وجود "نظام وطني موحد" للمراصد الحضرية، مع مراصد محلية في المدن والبلديات الكبرى.
وحول البيانات التي يجب أن يتضمنها المرصد، أجملها بتلك التي تشمل السكان وتوزيعهم وكثافتهم، واستعمالات الأراضي والتنظيم والبناء، والإسكان، والنقل والمرور والنقل العام، والبنية التحتية، والمياه والطاقة، والنفايات، والبيئة وجودة الهواء، والمساحات الخضراء وغيرها.
ونوه إلى أهمية إدراج بيانات التغير المناخي ومخاطر السيول والفيضانات والكوارث وقدرة المدن على الصمود، لأنها أصبحت "عنصرا أساسيا" في التخطيط الحضري الحديث.
كما يجب، بحسبه، توفير قسم لخدمة المواطن والزائر والسائح، يتضمن "خرائط تفاعلية" للمواقع والخدمات والمواصلات والمرافق العامة والمواقع السياحية والتراثية، بحيث يصبح المرصد أيضا "بوابة معرفية حقيقية للمدينة".
وأما العاملون في المرصد، فوفق تأكيداته، لا يكفي أن يكونوا موظفين إداريين أو متخصصين في إدخال البيانات، وإنما يجب أن يكونوا فريقا متعدد التخصصات يضم خبرات في الإحصاء، وتحليل البيانات، والتخطيط الحضري، والهندسة، والاقتصاد، ونظم المعلومات الجغرافية، وتقنيات المعلومات، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، والدراسات الاجتماعية والديموغرافية.
لكن نجاح المرصد، كما يراه الفاعوري، يعتمد على وجود منظومة "واضحة للحوكمة والرقابة"، وأن تكون على عدة مستويات؛ أولها "الرقابة الفنية" على جودة البيانات، بحيث يكون لكل معلومة مصدر "واضح"، وتاريخ تحديث ومنهجية احتساب.
وأما المستوى الثاني، فيتضمن إجراء "مراجعة دورية" للمؤشرات وقواعد البيانات للتأكد من "دقتها وعدم ازدواجيتها".
والثالث يتضمن إنشاء لجنة إشراف تضم، إلى جانب البلدية، ممثلين عن الجهات الرسمية المختصة بالإحصاء والإدارة المحلية والتخطيط، إضافة إلى الجامعات والخبراء عند الحاجة، في حين يقوم الرابع على تطبيق "مبدأ الشفافية"؛ فكلما أتيحت البيانات "غير الحساسة" أمام الباحثين والجمهور، أصبحت إمكانية "اكتشاف الخطأ وتصحيحه أكبر".
وفي ضوء كل ذلك، يمكن للمراصد الحضرية أن تحدث "نقلة نوعية حقيقية" في العمل البلدي، لكن بشرط أن تنتقل المعلومة من "شاشة المرصد إلى طاولة القرار".
وحذر من بقاء المرصد "موقعا إلكترونيا أنيقا ورسومات وخرائط لا تدخل فعليا" في إعداد الموازنة وتحديد الأولويات وتوزيع المشاريع، فلن يتغير شيء "جوهري". أما إذا أصبحت قرارات البلدية مرتبطة بمؤشرات المرصد، فسيختلف الأمر جذريا.
ومن هنا يصبح المرصد أداة أيضا "لتعزيز العدالة" في توزيع الخدمات؛ لأنه يكشف بصورة "موضوعية" أي المناطق تعاني نقصا في الحدائق أو الطرق أو النقل العام أو الإنارة أو الخدمات، وأين ينبغي توجيه الإنفاق العام، كما ذكر.
كما يرفع المرصد من كفاءة الاستثمار البلدي، بحسبه، لأن المستثمر نفسه يحتاج إلى معلومات دقيقة عن السكان والحركة التجارية واستعمالات الأراضي والبنية التحتية والتوسع العمراني قبل اتخاذ قراره.
ويعتقد أن الأردن يستطيع تطوير تجربة متقدمة في هذا المجال بالاستفادة من تجربة أمانة عمّان، التي تمتلك مرصدا حضريا يعمل على جمع وتحليل البيانات وإنتاج المؤشرات لدعم المخططين وصناع القرار والباحثين، ثم نقل التجربة إلى "نموذج وطني أكثر تكاملا يخدم مختلف البلديات".
ــ الغد