من مقاعد الدمج إلى النجاح.. طلبة من ذوي الإعاقة يحققون طموحاتهم
يُبرهن نجاح طلبة من ذوي الإعاقة في امتحان الثانوية العامة على أن النجاح ليس استثناءً مرتبطاً بالإعاقة من عدمها، وإنما ثمرة لقدرات الطلبة واجتهادهم، وما بذلوه من جهود ومثابرة على امتداد سنوات دراستهم، إلى جانب دعم أسرهم وتوفير بيئة تعليمية مهيأة أتاحت لهم فرصاً متكافئة للتعلم والإنجاز وإظهار قدراتهم على قدم المساواة.
وبحسب بيانات حصلت عليها وكالة الأنباء الأردنية (بترا) من وزارة التربية والتعليم وتنمية المواد البشرية، فقد بلغ إجمالي عدد الطلبة من ذوي الإعاقة الذين تقدموا لامتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة لعام 2026، 455 طالباً وطالبة، نجح منهم 282 طالباً وطالبة، حيث حقق 209 طلاب نجاحاً يؤهلهم للقبول الجامعي، فيما حقق 73 طالباً نجاحاً يؤهلهم للالتحاق بالكلية.
كما بلغ أعلى معدل تم تسجيله بين الطلبة من ذوي الإعاقة 97.3، فيما حصل 21 طالباً وطالبة على معدل 90 بالمئة فما فوق، وحصل 37 طالباً على معدلات تتراوح بين 80-89، و73 طالباً على معدلات بين 70-79، فيما تراوحت معدلات 69 طالباً بين 60-69، و9 طلاب بين 50-59.
الناطق الإعلامي باسم المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رأفت الزيتاوي، قال لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن نجاح الطلبة من ذوي الإعاقة في امتحان الثانوية العامة هذا العام يمثل دليلاً واضحاً على أن الإعاقة ليست عائقاً أمام التفوق، وإنما تكمن العوائق الحقيقية في البيئة التعليمية غير المهيأة وما قد تفرضه من حواجز أمام تعلم الطلبة ومشاركتهم على قدم المساواة.
وأشار إلى أن هذه النتائج تعكس قدرة الطلبة من ذوي الإعاقة على الإنجاز متى ما توفرت لهم البيئة التعليمية المهيأة والترتيبات التيسيرية المعقولة، مؤكداً أن توفير هذه الترتيبات، ومنها الكاتب والوقت الإضافي والأسئلة بطريقة "برايل" أو بالخطوط المكبرة، يسهم في تمكين الطلبة من إظهار قدراتهم الحقيقية.
وأضاف، أن نجاح الطلبة في الثانوية العامة يحمل رسالتين أساسيتين، تتمثل الأولى في تفنيد النظرة النمطية بشأن القدرات الأكاديمية للطلبة من ذوي الإعاقة، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقات الذهنية كمتلازمة داون، فيما تتمثل الثانية في التأكيد على أثر الترتيبات التيسيرية في إتاحة فرص متكافئة للتعلم والتقييم.
وبين الزيتاوي، أن هذه النجاحات تعكس تقدماً نحو مأسسة الدعم وتقليل الاعتماد على الظروف الفردية أو الدعم الأسري الاستثنائي، إلا أنها في الوقت ذاته تؤكد الحاجة إلى مواصلة العمل حتى تصبح مثل هذه النتائج ثمرة طبيعية ومستدامة لمنظومة تعليمية دامجة وشاملة.
وأوضح، أن من أبرز التحديات التي لا تزال قائمة ضعف تهيئة البنية التحتية في عدد من المدارس الحكومية والخاصة، والبطء في تحويل المناهج والمواد التعليمية إلى أشكال ميسرة، إلى جانب الحاجة إلى توسيع تدريب وتأهيل المعلمين على أساليب التعليم الدامج وتكييف المناهج، فضلاً عن استمرار بعض الاتجاهات النمطية بشأن قدرة الطلبة من ذوي الإعاقة على التحصيل العلمي.
وأكد، أن المجلس، وبالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم والشركاء، يعمل على تطوير محاور استراتيجية مستدامة، بما يضمن ألا تظل فرص النجاح مرهونة بظروف استثنائية أو اجتهادات شخصية، ومن أبرزها تسريع تنفيذ خطط تهيئة المدارس على مستوى المملكة، وإدماج معايير التصميم الشامل للتعليم في المناهج وعمليات التقييم والاختبارات منذ المراحل الأساسية، إلى جانب تضمين مفاهيم التعليم الدامج وآلياته في برامج إعداد المعلمين وتأهيلهم قبل الخدمة وأثناءها.
بدورها، أكدت أستاذة علم النفس التربوي الدكتورة إسراء أبو الكشك، أن نجاح الطلبة من ذوي الإعاقة في امتحان الثانوية العامة يحمل أثراً نفسياً وتربوياً مهماً، لما يعززه من الثقة بالنفس والشعور بالكفاءة والقدرة على تحقيق الأهداف، ويدعم الدافعية لمواصلة التعلم ومواجهة التحديات.
وأوضحت، إن هذا النجاح يسهم في بناء مفهوم إيجابي عن الذات قائم على القدرات والإمكانات والإنجاز، وليس على الإعاقة، خصوصاً عندما يدرك الطالب أن ما حققه جاء نتيجة للجهد والمثابرة، إلى جانب استفادته من الدعم والتيسيرات المناسبة التي أتاحت له إظهار قدراته الحقيقية.
وأشارت أبو الكشك إلى أن البيئة المدرسية الدامجة تؤدي دوراً أساسياً في تعزيز التحصيل الأكاديمي للطلبة من ذوي الإعاقة، عندما تقوم على توقعات إيجابية وواقعية بقدراتهم، وتوفر التيسيرات التعليمية والدعم النفسي والتربوي المناسب، مبينة أن شعور الطالب بأنه قادر ومقبول وله دور فاعل في البيئة المدرسية يعزز دافعيته وانخراطه في التعلم.
وأضافت، أن تكامل جهود المدرسة والأسرة والاختصاصيين يسهم في إزالة العوائق أمام مشاركة الطلبة وتمكينهم من تحقيق إمكاناتهم الأكاديمية، مؤكدة أن البيئة الداعمة لا تنعكس على التحصيل الدراسي فقط، وإنما تسهم أيضاً في تعزيز استقلالية الطالب وشعوره بالانتماء.
وبينت أبوالكشك، أن نجاح الطلبة من ذوي الإعاقة في الثانوية العامة يمثل مؤشراً إيجابياً على فاعلية الفرص التعليمية المتاحة لهم، لكنه لا يكفي وحده للحكم على نجاح منظومة التعليم الدامج، إذ ينبغي أن يستند التقييم إلى مدى حصول الطلبة على فرص متكافئة في التعلم والمشاركة، وتوافر التيسيرات والدعم المتخصص، وشعورهم بالانتماء والأمان، إلى جانب تطور استقلاليتهم ومهاراتهم وقدرتهم على الانتقال إلى مراحل التعليم اللاحقة أو الحياة المهنية.
وأكدت، أن الدمج الناجح لا يُقاس بالنتيجة الامتحانية وحدها، وإنما بمدى قدرة المنظومة التعليمية على تمكين الطالب من التعلم والإنجاز والمشاركة على قدم المساواة، وإتاحة الفرص التي تساعده على تطوير إمكاناته والانتقال بثقة إلى المراحل اللاحقة من حياته.
يشار إلى أن الأردن يواصل ترسيخ نهج حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال تطوير التشريعات والسياسات والممارسات الداعمة للدمج والمشاركة المتكافئة،وتعزيز مسار التعليم الدامج وإزالة الحواجز أمام الطلبة، بما يتيح لكل طالب فرصة تحقيق طموحاته، وجعل النجاح والتفوق للأشخاص ذوي الإعاقة نتيجة طبيعية لإتاحة الفرص، لا استثناءً يستحق الاحتفاء.
--(بترا)