اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

كامل الروضان : الحمد لله على السلامة

كامل الروضان : الحمد لله على السلامة
أخبارنا :  

«الحمد لله على السلامة» عبارة اعتاد الأردنيون على قولها في أجمل المناسبات؛ نقولها للعائد من السفر، ولمن يخرج من المستشفى بعد مرض أو عملية، ولمن يعود من الحج أو العمرة، ولمن ينهي خدمته ويتقاعد. إنها عبارة تحمل المحبة والفرح، وتختصر دعاءً صادقًا بأن يعود الإنسان سالمًا إلى أهله.


لكنني أتساءل اليوم: أما آن لنا أن نقول «الحمد لله على السلامة» كل يوم؟


فالإنسان الذي يغادر بيته صباحًا متوجهًا إلى عمله، أو يخرج لقضاء حاجة، ثم يعود مساءً إلى بيته، يخوض أحيانًا رحلة محفوفة بالمخاطر، ليس بسبب الطريق وحده، وإنما بسبب سلوك بعض مستخدميه.


لا أريد أن أعمم، فلدينا سائقون ملتزمون ومحترمون، لكن ما نشاهده يوميًا من بعض السائقين أصبح أمرًا يستحق التوقف عنده، بل يستحق أن ندرك خطورته قبل أن يصبح واقعًا يصعب السيطرة عليه.


سرعة جنونية، وتجاوزات خطرة، وعدم احترام للأولوية، وانتقال عشوائي بين المسارب، وتنمر على السائق الآخر، واستعمال الزمور والشتائم والاستفزاز، وكأن الطريق ساحة لتصفية الحسابات. وقد ترى من يخطئ ثم يصر على أن المخطئ هو غيره، ويحوّل خطأه إلى عدوان على الآخرين.


والأغرب أن بعض المركبات أصبحت، بكل أسف، أماكن للرقص والتصفيق والاستعراض وهي تسير بين الناس؛ أغانٍ بأصوات مرتفعة، وحركات ورقص داخل المركبة، وكأن السيارة تحولت إلى ملهى ليلي متحرك. أيعقل أن تتحول قيادة المركبة، وهي مسؤولية عن أرواح بشر، إلى هذا النوع من العبث؟


والأكثر خطورة حين تكون المركبة حافلة تحمل عشرات الركاب. فكيف يمكن لسائق حافلة أن يقود بهذه السرعة، ويناور بين المركبات، وكأن الأرواح التي خلفه لا قيمة لها؟ إن من يقود مركبة عامة لا يحمل ركابًا فقط؛ بل يحمل أمانات وأرواحًا، وأسرًا تنتظر أبناءها وآباءها وأمهاتها أن يعودوا سالمين.


وهناك مشهد آخر لا يقل خطورة: مركبات تقذف من عوادمها دخانًا كثيفًا يكاد يحجب الرؤية عمن يسير خلفها. وهنا يبرز سؤال مشروع يجب أن يجد إجابة واضحة: كيف اجتازت هذه المركبات الفحص الفني؟ وكيف سُمح لها بالعودة إلى الشارع وهي تشكل خطرًا على صحة الناس وسلامتهم؟


والمؤسف أن بعض من يتجاوزون قواعد السير في الأردن، سواء كانوا مواطنين أم مغتربين قادمين من دول أخرى، هم أنفسهم يلتزمون بقواعد السير والقوانين المرورية في البلدان التي يعيشون فيها أو يزورونها، سواء كانوا مواطنين في تلك البلدان أو مغتربين .لكن عندما يأتون إلى الأردن، يتغير هذا السلوك لدى بعضهم، فيمارسون تجاوزات مرورية غير مقبولة، وكأن الالتزام بالقانون يرتبط بالمكان لا بقناعة الإنسان.


لكن عليهم أن يدركوا أن القانون في الأردن ليس أقل هيبة، وأن رجال إنفاذ القانون يؤدون واجبهم بكل مسؤولية وحزم، وهيبة القانون لا تتجزأ ولا تختلف من بلد إلى آخر. ومن يعتقد أن بإمكانه اختبار حدود القانون أو صبر رجال الأمن في الأردن، فعليه أن يدرك أنه مخطئ؛ فاحترام القانون واجب على الجميع، ومن الأفضل ألا يمتحن أحد صبر من أوكل إليهم القانون حماية الناس وتنظيم شؤونهم.


لقد ارتفعت قيمة مخالفات السير وتشددت العقوبات، ومع ذلك ما زالت بعض السلوكيات الخطرة تتكرر. وهذا يعني أن الردع لا يقاس بقيمة المخالفة وحدها، وإنما بمدى التأكد من تطبيق القانون على المخالف دون استثناء.


نحن لا نحتاج إلى المزيد من الفوضى على الطرق، ولا إلى أن يصبح كل سائق شرطيًا على السائق الذي أمامه. نحتاج إلى ثقافة احترام، وإلى قانون يحمي الجميع، وإلى رقابة تجعل المخالف يفكر أكثر من مرة قبل أن يعرض حياة الآخرين للخطر.


إن شوارعنا ليست حلبة سباق، وليست ساحة لاستعراض القوة، وليست مكانًا للتنمر أو الانتقام أو إثبات الذات. الطريق ملك للجميع، ومن حق كل إنسان أن يصل إلى بيته سالمًا.


ورجل السير لا يستطيع أن يرى كل شيء؛ له عينان وواجبات كثيرة، ولا يمكن أن يكون في كل شارع وكل مسرب وفي كل لحظة. ولذلك فإن تعزيز الرقابة السرية والمدروسة، وبصورة منتظمة وفاعلة، قد يكون ضرورة لكشف المخالفات التي لا تظهر أمام الرقابة التقليدية، ومساندة رجال السير في أداء مهمتهم.


فالمسألة لم تعد مجرد مخالفة تُسجل أو غرامة تُدفع؛ إنها أرواح تُعرّض للخطر كل يوم.


ولهذا، فإن أبسط وأصدق دعوة يمكن أن نطلقها اليوم هي: التزموا بقواعد السير، واحترموا الطريق، فكل مخالفة قد تعني حياة تُفقد أو أسرة تُفجع.


اجعلوا قيادتكم مسؤولية لا مغامرة، فسلامة الناس ليست خيارًا… بل واجبًا، والطريق لا يرحم من يستهين بأرواح الآخرين.




مواضيع قد تهمك