اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

حسان سلطان المجالي : هل يوجد في الأردن سجناء سياسيون .. ؟

حسان سلطان المجالي : هل يوجد في الأردن سجناء سياسيون .. ؟
أخبارنا :  

سأُقدِّم الموضوع بين الوصف السياسي والشرعية الجزائية (ويستحق ذلك الإطالة في الشرح) ، حيث تتكرر في الخطاب السياسي والحقوقي عبارة "السجناء السياسيون" في الأردن ، ومثل هذه العبارة تحتاج أولاً إلى ضبط قانوني صارم، لأنَّ وصف شخص بأنَّه "سجين سياسي" لا ينشئ بذاته مركزاً قانونياً، ولا يلغي النص الجزائي الذي استند إليه توقيفه أو محاكمته أو الحكم عليه.


وأبدأ بالقاعدة الدستورية الأولى التي يجب أن تحكم هذا النقاش وهي أن الحرية الشخصية مصونة ، وأن الدستور الأردني نص صراحة في المادة (8 /1) على أنه : "لا يجوز أن يقبض على أحد أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته إلا وفق أحكام القانون"،كما حظر الدستور في ذات المادة الفقرة (2) التعذيب والإيذاء البدني أو المعنوي، وأبطل قيمة أي قول ينتزع تحت وطأة التعذيب أو الإيذاء أو التهديد.


ومثل هذا يعني أنَّ الدولة بكل سلطاتها لا تملك أن تسلب حرية إنسان لمجرد أنه معارض سياسي ، أو ناقد للحكومة ، أو صاحب موقف سياسي مختلف ، لأن الخلاف السياسي في ذاته هو ليس جريمة ، والمعارضة في ذاتها هي ليست جريمة ، والرأي السياسي لا يتحول إلى جريمة إلا إذا انطبق على فعل جرّمه المشرّع بنص قانوني نافذ.


وهنا تظهر قاعدة غاية في الأهمية مفادها "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" باعتبارها حجر الأساس في الشرعية الجزائية ، فلا يجوز إنشاء جريمة بالقرار الإداري ، ولا بالخطاب السياسي ، ولا بالرغبة في إسكات الخصم ، ولا بمجرد عدم قبول السلطة لموقف شخص سياسي.


لكن في المقابل لا يجوز أيضاً استخدام عبارة "سجين سياسي" باعتبارها حصانة سياسية من القانون.


فالدافع السياسي لا يمحو الجريمة إذا كان الفعل ذاته مجرّماً بنص القانون ، وقانون العقوبات الأردني يقرر صراحة في الأحكام المتعلقة بالقصد والدافع ، أن الدافع هو السبب الذي حمل الجاني على ارتكاب الفعل ، وأنه لا يعد عنصراً تجريمياً إلا في الحالات التي ينص عليها القانون ،،، وهذه نقطة جوهرية.


فإذا ارتكب شخص فعلاً مجرّماً يتعلق بأمن الدولة أو السلطات الدستورية أو النظام السياسي، فإنَّ القول بأنه فعل ذلك "بدافع سياسي" لا يؤدي تلقائياً إلى إسقاط المسؤولية الجزائية، لأن قانون العقوبات يتضمن بالفعل نصوصاً تجرّم أفعالاً من قبيل محاولة تغيير النظام الدستوري، أو التحريض على التمرد المسلح ضد السلطات الدستورية، أو الاعتداء الذي يهدف إلى تعطيل السلطات عن ممارسة وظائفها الدستورية، أو الاستيلاء غير المشروع على سلطة سياسية أو مدنية أو قيادة عسكرية، وغيرها من الأفعال التي تمس النظام الدستوري أو السياسي للدولة، كذلك تضمنت المادة (149) من قانون العقوبات أفعالاً تتعلق بما قد يقوض النظام السياسي أو يحرض على مقاومته، وفق حدود النص وشروط انطباقه.


ومن هنا يجب أن يكون النقاش أكثر دقة..


فليس كل من سُجن بسبب قضية ذات خلفية سياسية يعتبر "سجيناً سياسياً" بالمعنى القانوني ، وليس كل من وُصف بأنه سجين سياسي قد ارتكب جريمة سياسية بالضرورة..


فهناك فرق بين :


أولاً : شخص عوقب بسبب رأي سياسي مشروع لم يجرّمه القانون ،،، وهنا تطرح المسألة سؤالاً خطيراً حول مشروعية تقييد الحرية ، لأن المادة (8) من الدستور تشترط أن يكون القبض أو التوقيف أو الحبس وفق أحكام القانون.


ثانياً : شخص ارتكب فعلاً مجرّماً بنص قانوني وكان "دافعه سياسياً" ، وهنا لا يكفي وصفه بأنه "سياسي" لإسقاط المسؤولية الجزائية ، وإنما يجب بحث مدى انطباق النص الجزائي على الفعل ، وتوافر أركان الجريمة ، وسلامة إجراءات التحقيق والمحاكمة ، وصحة الحكم الصادر بحقه.


ثالثاً : شخص موقوف ولم يصدر بحقه حكم قطعي ، وهذا ليس من الدقة القانونية أن يسمى "سجيناً" بالمعنى العقابي ، فهو من الناحية القانونية موقوف أو مشتكى عليه إلى أن يصدر حكم وفق الأصول ، والأهم وما يجب معرفته بأن التوقيف في القانون الأردني ليس عقوبة ، وإنما تدبير استثنائي يخضع لشروط وضوابط قانونية محددة، فالمادة (114) من قانون أصول المحاكمات الجزائية تُقرِّر أنَّ التوقيف تدبير استثنائي ، ولا يكون إلا في حالات ومبررات حددها القانون، بل حتى إن المشرّع قد وضع ضمانة إضافية واضحة، إذ اعتبر أن استمرار وضع المشتكى عليه في النظارة أكثر من المدة المحددة دون استجوابه أو سوقه إلى المدعي العام يعتبر توقيفاً تعسفياً ، ورتب المسؤولية القانونية على الموظف المسؤول.


من هنا يجب أن يكون الموقف السياسي والقانوني واضحاً:


الدولة القانونية لا تخشى المعارضة ، لكنها أيضاً لا تسمح بأن تتحول المعارضة إلى غطاء لارتكاب الجرائم.


وفي المقابل، الدولة التي تحترم سيادة القانون لا تستطيع أن تستخدم القانون ذريعة لمعاقبة الرأي السياسي الذي لم يجرّمه المشرّع نصاً في القانون.


لذلك فإن المعيار ليس:


هل الشخص مع الحكومة أم ضدها .؟


والمعيار ليس : هل هو موالي أم معارض .؟


والمعيار ليس : هل يحظى بالتأييد الشعبي أم لا .؟


المعيار فقط هو النص القانوني والفعل المرتكب وأركان الجريمة والإجراءات القضائية والحكم الصادر عن المحكمة المختصة.


إنَّ من أخطر الأخطاء القانونية والسياسية هو أن تتحول عبارة "السجين السياسي" إلى أداة لإدانة الدولة دون فحص ملف القضية، كما أن الخطأ المقابل لا يقل خطورة عندما تستخدم صفة "الأمن" أو "حماية النظام" لإضفاء المشروعية على أي تقييد للحرية دون سند قانوني.


فالسلطة ليست فوق القانون، والمعارض أيضاً ليس فوق القانون، بل القانون فوق الإثنين..


فإذا كان هناك شخص في الأردن سُلبت حريته لمجرد ممارسة حق سياسي مشروع لم يجرّمه القانون ، فإن المسألة لا تعالج بالشعارات، وإنما بالطعن في الأساس القانوني للتوقيف أو العقوبة، ومراجعة النص الذي استندت إليه السلطة ، وفحص أركان الجريمة ، وصحة الإجراءات ، وحق الدفاع والمحاكمة العادلة.


أما إذا كان الشخص قد ارتكب فعلاً نص القانون على تجريمه، وثبتت مسؤوليته أمام القضاء المختص وفق إجراءات صحيحة، فإنَّ تسميته "سجيناً سياسياً" تبقى وصفاً سياسياً أو حقوقياً قابلاً للنقاش، وليست حقيقة قانونية تنسف الحكم القضائي بذاتها.


خلاصة القول هو أنَّ الأردن، وفق بنيته الدستورية الجزائية، لا يعرف قاعدة تقول إنَّ "المعارض السياسي يُسجن لأنه معارض" وإنما يعرف قاعدة دستورية أكثر وضوحاً: لا قبض ولا توقيف ولا حبس ولا تقييد للحرية إلَّا وفق أحكام القانون.


ولهذا فإنَّ السؤال الصحيح ليس : كم لدينا من السجناء السياسيين ..؟


بل هو :


ما النص الذي جُرّم به الفعل .؟


وما الفعل الذي ارتكبه الشخص .؟


وهل توافرت أركان الجريمة .؟


وهل جرى توقيفه ومحاكمته وفق القانون .؟


وهل صدر بحقه حكم قضائي مستوفي للضمانات الدستورية .؟


عندها فقط نستطيع أن نميز بين السجين السياسي الحقيقي ، والمحكوم في جريمة ذات دافع سياسي ، والموقوف على ذمة التحقيق ، وبين من يحاول تحويل الوصف السياسي إلى حصانة من المسؤولية الجزائية..


هذه هي دولة القانون : لا عقوبة بلا نص ، ولا حرية بلا مسؤولية ، ولا سلطة بلا قانون ، ولا معارضة فوق القانون..


والله المستعان..





مواضيع قد تهمك