أ. د. خلف الطاهات : من «دبّرلي واسطة» إلى كبسة زر .. الرقمنة تغيّر وجه الخدمة الحكومية في الأردن
جزء من ثقافة الأردنيين، عندما يريد أحدهم مراجعة دائرة حكومية، أن يبدأ بالسؤال: «مين بنعرف هناك؟». وقبل أن يحمل أوراقه ويتوجه إلى الدائرة، يبحث عمّن يعرف موظفا أو مسؤولا يستطيع أن يمشّي المعاملة بسرعة. بمعنى آخر، يبحث عن واسطة، ذلك الكرت السحري الذي كان ينشل المواطن من الدور الطويل والانتظار وروتين العمل البطيء، ويوفر عليه مشوارا قد يمتد ساعات أو حتى أياما.
لم تكن الواسطة دائما بحثا عن حق ليس لصاحب المعاملة، بقدر ما كانت في أحيان كثيرة وسيلة للهروب من التعقيد والتأخير وكثرة المراجعات. فحين تكون الإجراءات طويلة وغير واضحة، ويظل إنجاز المعاملة مرتبطا بالمكتب والموظف والختم، يشعر المواطن بأن العثور على شخص يعرفه داخل الدائرة هو أقصر طريق للحصول على حقه الطبيعي.
لكن الواسطة، حتى عندما تبدأ بهذه الصورة، تترك وراءها مشكلة أكبر، فهي تضع من "يعرف أحدا" قبل من ينتظر دوره، وتزرع شعورا بأن الخدمة لا تسير دائما بالعدل نفسه بين الناس. كما أن كثرة الاحتكاك المباشر وغموض بعض الإجراءات كانا يفتحان الباب أحيانا أمام المحاباة، وفي حالات اخرى أمام استغلال حاجة المواطن أو تعريضه لطلب منفعة أو رشوة.
اليوم، بدأت هذه الصورة تتغير. التحول الرقمي في الأردن، إلى جانب مراكز الخدمات الحكومية الشاملة، لا يختصر على الناس الوقت والمسافة والمصاريف فقط، بل يسحب من "الواسطة" دورها القديم بالتدريج. فعندما يستطيع المواطن أن يقدّم طلبه إلكترونيا، ويتابع معاملته، ويدفع رسوما محددة ومعلنة، أو يراجع مركزا يعمل وفق دور منظم وإجراءات موحدة، فإنه لا يعود بحاجة إلى السؤال: مين بنعرف هناك؟
وقبل سنوات، لم يكن دفع فاتورة أو استخراج ورقة حكومية شغلة بسيطة بالنسبة إلى كثير من الأردنيين، خصوصا أبناء القرى والأرياف والبوادي.
كان المواطن يحتاج إلى أن يكون معه "كاش" ويصحى من الصبح بكير، ويركب أكثر من وسيلة نقل، ويقطع مسافات طويلة حتى يصل إلى أقرب مدينة. وبعدها يبدأ مشوار الدور والانتظار بين المكاتب والشبابيك، في عز الحر أو في برد الشتاء، حتى ينجز معاملة ربما لا تحتاج في الأصل إلى أكثر من دقائق. وبعد أن يدفع أجرة الطريق، ويخسر يوم عمل، ويتحمل تعب الانتظار، يبدأ رحلة العودة إلى قريته. وهكذا، كانت فاتورة بسيطة أو ورقة رسمية كفيلة بأن تأخذ من المواطن يوما كاملا، وتكلّفه ماديا وتتعبه نفسيا.
اليوم تغيّر الحال كثيرا. خدمات عديدة أصبحت متاحة إلكترونيا، والخدمات التي تحتاج إلى حضور جُمعت في مكان واحد، بدلا من أن يظل المواطن «يلف» من دائرة إلى أخرى. ولم يعد دفع فاتورة أو استخراج قيد أو وثيقة حكومية همّا يؤرق المواطن مثل زمان. هذا التحول وضع الأردن على الطريق نفسه الذي سارت فيه دول المنطقة، وخصوصا دول الخليج التي قرّبت خدماتها من الناس ووضعتها بين أيديهم عبر التطبيقات والمنصات الرقمية والمراكز الحكومية المتكاملة.
وتكشف أرقام مشروع مراكز الخدمات الحكومية الشاملة حجم التغيير الذي تحقق خلال فترة قصيرة. فقد بلغ جمالي عدد الخدمات الحكومية التي تقدم في جميع المراكز يصل إلى 227 خدمة حكومية تتبع 34 مؤسسة حكومية، كما أن العمل جار لإضافة خدمات جديدة تقدم عبر هذه المراكز. فمنذ افتتاح أول مركز أواخر 2022، أُنجزت نحو ستة ملايين معاملة حكومية عبر١٥ مركزا منتشرا في المملكة. ووصل معدل الرضا عن خدماتها إلى 98 في المئة.
هذه الأرقام لا تعني فقط أن المعاملات أصبحت أسرع، بل تعني أن المواطن لمس فرقا حقيقيا في حياته. فالوقت الذي كان يضيع في الطريق والدور، والكلفة التي كان يدفعها للمواصلات، والتعب الناتج عن التنقل بين الدوائر، تراجعت كلها مع وجود مكان واحد يضم خدمات مؤسسات حكومية عديدة.
وبهذا المعنى، لم تختصر الخدمات الرقمية وقت المواطن فقط، بل أسهمت في تكريس ثقافة الشفافية والمساواة. فالمعاملة لا يفترض أن تحتاج إلى معرفة موظف أو البحث عمن "يمشّيها"، ولا أن تختلف سرعتها باختلاف اسم صاحبها أو علاقاته. المواطن يقدّم طلبه، ويتابع مراحله، ويدفع الرسوم المعلنة، ويحصل على الخدمة وفق إجراءات واحدة تنطبق على الجميع.
وهذا التحول مهم في بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، لأن وضوح الإجراءات وإمكانية تتبع المعاملة يقللان مساحة الاجتهاد الفردي، ويجعلان أي تأخير أو خلل أسهل في الرصد والمحاسبة. وكلما توسعت الخدمات الرقمية، ضاقت المساحة أمام الواسطة والرشوة، وترسخ شعور المواطن بأن حقه في الخدمة لا يحتاج إلى مِنّة من أحد.
والأهم أن هذه المراكز لا تعمل ضمن ساعات الدوام التقليدية فقط، بل تستقبل المراجعين من الساعة التاسعة صباحا حتى منتصف الليل، ستة أيام في الأسبوع. وهذا يعني أن الموظف أو العامل لم يعد مضطرا في كل مرة إلى أخذ إجازة أو مغادرة عمله حتى ينجز معاملة حكومية.
كما يستطيع المواطن التوجه إلى المركز مباشرة، أو حجز موعد وتحديد الخدمة التي يريدها من خلال تطبيق "سند".
ولمن لا يعرف كيف يستخدم الخدمات الرقمية، توجد مكاتب للمساعدة والتدريب، حتى لا يبقى كبار السن أو غير المعتادين على التكنولوجيا خارج هذا التطور.
فكرة هذه المراكز بسيطة، لكنها مهمة، فبدلا من أن يركض المواطن وراء الدوائر، تأتي خدمات الدوائر إليه في مكان واحد. وهذا هو المعنى الحقيقي لمفهوم "الحكومة الواحدة"، خدمة أسرع وأوضح، وعدد أقل من المراجعات، ووقت وجهد أقل على الناس.
ولا شك أن التجربة ما تزال بحاجة إلى مزيد من التوسع والتطوير، حتى تصل الخدمات بالكفاءة نفسها إلى كل قرية وبادية ومحافظة، وحتى يصبح أكبر عدد ممكن من المعاملات متاحا إلكترونيا بالكامل. لكن ما تحقق حتى الآن يستحق الإشادة، لأنه نقل الخدمة الحكومية خطوة كبيرة إلى الأمام.
نجاح التحول الرقمي لا يقاس بعدد التطبيقات والمراكز فقط، وانما بعدد المشاوير التي اختصرها على الأردنيين، وبساعات الانتظار التي وفرها، وبالدنانير التي أبقاها في جيوبهم، وبمساحة الواسطة والمحسوبية التي ضيّقها.
بين مواطن كان يحمل "الكاش" ويشد الرحال إلى المدينة، ويسأل قبل أن يتحرك عمّن يعرفه داخل الدائرة الحكومية، ومواطن ينجز معاملته اليوم من هاتفه أو من مركز واحد، فرق كبير وحكاية نجاح أردنية حقيقية.