رمزي الغزوي : أن تفهم خصمك
ليست أكثر الحروب خطورة تلك التي تتبادل فيها الجيوش النيران، وإنما تلك التي يختلط فيها تقدير القوة بتقدير الإرادة. فالقوة تقيس ما تستطيع أن تدمره، أما الإرادة فتقيس ما تستطيع أن تتحمله. وبين الحسابين فجوة واسعة، ضاعت فيها إمبراطوريات، وخرجت منها دول صغيرة وهي أكثر صلابة مما كانت. لذلك لم يكن صن تسو يبالغ حين ربط النصر بالاستراتيجية قبل التكتيك؛ لأن الضربات، مهما بلغت دقتها، لا تصنع انتصاراً إذا عجزت عن تغيير قرار الخصم.
من هذه الزاوية يبدو المشهد الأميركي الإيراني أكثر تعقيداً مما توحي به خرائط القصف وتقارير العمليات. فالرئيس الأميركي دونالد ترمب دخل المواجهة وهو يراهن على أن الضربات القاسية ستفتح أبواب التفاوض، وأن إيقاع الصدمة سيدفع طهران إلى تقديم التنازلات. غير أن إيران قرأت هذا الرهان بطريقة مختلفة. لم تتعامل مع الضربات بوصفها مقدمة لحرب شاملة، وإنما بوصفها أداة ضغط لتحسين شروط التفاوض، فاختارت امتصاصها، وانتظار اللحظة التي يتحول فيها الضغط إلى عبء على صاحبه.
لهذا لا تبدو حسابات الطرفين متشابهة. فالولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً لا ينازعها عليه أحد، لكنها تتحرك داخل منظومة سياسية مفتوحة، تتأثر بالرأي العام، وبالانتخابات، وبالخلافات داخل الإدارة، وبحسابات الحلفاء والاقتصاد العالمي. أما إيران فتتحرك داخل نظام مغلق، أقل حساسية تجاه الضغوط الداخلية، وأكثر استعداداً لتحمل الخسائر إذا كانت كلفة التراجع أعلى من كلفة الصمود. وهنا تحديداً يكمن جوهر المأزق؛ إذ إن كل طرف يقرأ نقاط ضعفه جيداً، ويحاول أن يجعلها نقاط ضعف لدى خصمه.
ولهذا أيضاً تسعى طهران إلى توسيع مساحة القلق من دون توسيع الحرب. باب المندب، ومضيق هرمز، وشبكة الحلفاء في الإقليم، ليست أدوات لحسم المعركة بقدر ما هي وسائل لرفع كلفتها. الرسالة واضحة: أمن النظام الإيراني لن يُناقش بمعزل عن أمن الملاحة والطاقة واستقرار المنطقة. وكلما ارتفع ثمن القرار الأميركي، ازدادت فرص العودة إلى السياسة، ولو من باب الضرورة.
في المقابل، يجد ترمب نفسه أمام معادلة لم يعتدها. الحرب الشاملة قد تجر الولايات المتحدة إلى استنزاف طويل لا ينسجم مع المزاج الأميركي، والتراجع يمنح خصومه فرصة تصويره رئيساً فقد هيبة الردع، والاستمرار في الضربات المحدودة قد يحول القوة الأميركية إلى مشهد متكرر يفقد تأثيره مع الزمن.
ولعل المفارقة الأهم أن واشنطن نجحت في اختراق كثير من الأسرار العسكرية الإيرانية، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في اختراق طريقة تفكير النظام. عرفت مواقع القادة والمنشآت، ولم تعرف أين تقع الحدود التي يتخذ عندها القرار الإيراني منعطفه الحاسم. وفي المقابل، بدت طهران أكثر قدرة على قراءة آلية صنع القرار الأميركي، مستفيدة من شفافية نظامه، وتعدد مراكزه، وتباين الرؤى داخل إدارته.
التاريخ لا يمنح النصر لمن يملك القدرة على إطلاق الضربة الأولى، ولا لمن يرفع سقف التهديد أكثر. إنه يميل، في النهاية، إلى الطرف الذي يفهم خصمه قبل أن يصيبه. فالحروب الكبرى لا تُحسم بضجيج القوة، وإنما بحسن قراءة اللحظة التي تصبح فيها القوة وحدها عاجزة عن صناعة النتيجة.