اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : المجتمع الأردني ومخاض التحول

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : المجتمع الأردني ومخاض التحول
أخبارنا :  

يشهد المجتمع الأردني اليوم مخاضاً تحولياً عميقاً لم يعد من الممكن تغطيته بالشعارات أو إنكاره تحت وطأة العاطفة. إن ما نعيشه ليس مجرد اختلاف طبيعي بين اجيال، بل هو إعادة هيكلة جذرية للمنظومة الأخلاقية وبرمجة جديدة لقواعد السلوك الجمعي تحركها مطارق الاقتصاد، مع انكشاف رقمي طغى على الفضاء العام، وتآكل صامت لآليات الضبط الذاتي و العائلي التقليدية.

الحديث في هذا الملف يتسم بالحساسية العالية، لكن المكاشفة الشجاعة غدت ضرورة وطنية ملحة، بعيداً عن الإنكار غير العلمي لواقع يتشكل بوضوح. التحولات القيمية لا تحدث في فراغ، بل تنبع من موجبات واقعية تفرض نفسها و تحول المجتمع من نمط التكافل المعيشي الجمعي إلى واقع البحث عن التفرد.

عاشت الشخصية الأردنية عقوداً تستند إلى الاطمئنان التكافلي والتماسك الأسري، حيث كانت الأسرة الممتدة، والحي، والمدرسة، تشكل حوائط صد صلبة تمتص الصدمات وتضبط نزوات الفرد. اليوم، وتحت ضغط الظروف الاقتصادية الصعبة، تحولت بوصلة المواطن الأردني اضطرارياً من التكافل المعيشي الجمعي إلى الملاذات الفردية.

هذا التحول الاضطراري ولد حالة من الاغتراب الداخلي. فلم يعد الفرد قادرًا على الوفاء بالتزاماته الرمزية والواقعية نحو محيطه؛ مما انعكس انكماشاً في العلاقات الاجتماعية وتراجعاً في مستويات الوئام الأهلي الطبيعي. ولعل ارتفاع وتيرة النزاعات المالية والقانونية بين الأقارب داخل المحاكم الأردنية اليوم يقدم برهاناً ساطعاً على ذلك. و لا يمكن فصل قضية التحول القيمي عن ظاهرة العنف المجتمعي المتزايدة، سواء أكان عنفاً لفظياً، أم تنمراً إلكترونياً، أو مشاجرات. إن العنف هو النتيجة الطبيعية لاتساع الفجوة بين التطلعات الفردية المشروعة ، والواقع الاقتصادي .

في ظل هذا الفراغ الهيكلي، اندفع المجتمع الأردني بشغف استثنائي نحو وسائل التواصل الاجتماعي. ولم يعد هذا التعلق مجرد وسيلة للتسلية، بل تحول إلى منابر بديلة وفضاء مفتوح للتفريغ النفسي والسياسي يمارس فيه الانسان استعراض خيباته وشكاويه اليومية. وقد تجلت تداعيات هذا الطغيان الرقمي على الشخصية الوطنية في عدة مظاهر منها تراجع دور الأباء والمعلمين و كبار العائلة لصالح المؤثرين وصناع المحتوى الذين يروجون لأنماط حياة قائمة على الاستهلاك الاستعراضي والنجاح السريع غير القائم على جهد تراكمي. و هنا نشأت هوة عميقة بين الخطاب المحافظ المعلن في الفضاء العام، والسلوك المنفتح الذي يمارسه الأفراد في المجال الخاص. و تحولت المنصات الرقمية إلى بؤر لتأجيج الشحناء، والتنمر، وتسريع استقطاب الخطابات الغاضبة. أفرز هذا الواقع المعقد تناقضاً صارخاً في الممارسات اليومية. إذ نتمسك بالخطاب المنبري والمثالي في المناسبات العامة، بينما نخضع في سلوكياتنا الخاصة واليومية للمظاهر نفسها التي ننتقدها.

إن معالجة هذه الأزمات المركبة و المتداخلة لا تكون بالبكائيات التقليدية ولا بالإنكار الشكلي، بل بمكاشفة وطنية جريئة وسياسات رسمية ومجتمعية شجاعة. اذ لا بد من تحول ثقافي يعيد الاعتبار للعمل المهني والتقني، ويفكك عقدة الاستعراض الاجتماعي. و علينا الانتقال الفوري من أسلوب التلقين والمثالية الى تعزيز مهارات التفكير النقدي، وإدارة الاختلاف، وتقبل الآخر، وبناء أدبيات الحوار البناء الواعي لمواجهة جذور المشكلة.

نقف اليوم في منطقة رمادية حاسمة بين أصالة تاريخية صلبة، وضرورات عالمية ومتطلبات واقعية متشابكة لا ترحم. إننا نعيش مخاض ولادة نمط مجتمعي جديد لن يستقيم بالصدفة، بل يتطلب شجاعة القرار وحكمة الإدارة. هذه دعوة لعلماء الاجتماع، والنفس، والاقتصاد، والقانون، والفلسفة للاستنفار تحت مظلات رسمية لوضع استراتيجية وطنية جادة لإعادة برمجة منظومتنا القيمية، وحماية الاستقرار المجتمعي.


مواضيع قد تهمك