د. عبدالله يوسف الزعبي : ليل من أسئلة
وضع جنبه على وسادة الليل واستلقى بين الأحلام، ترك المخيال يجوب عباب الفكر ونسائم الأمل تهب على ضفاف الروح، فيما الريح تمر على مرافئ الذات رخية، تحمل بذور الرغبة إلى أرض لم تطأها الخيبة بعد. غرق في التأمل، أبحر بعيداً يبحث عن الوجوه والأيام، يقصد الأمكنة والحكايا وسطور الدهر التي كتبت من نِعمٍ منذ أول "كن". حسب نفسه يرفرف مع جناح الطير ويرتب ألوان قزح، يمحو الأحمر من قائمة الطيف ويكسر القوس والسيف. التقى الهدد في منتصف العباب وسأل عن منسأة سليمان ودابة الأرض وكيف مات واقفاً في القرآن. رأى النمل تتبسم لا يسمعها إلا المتواضعون، ويونس يخرج من عتمة الحوت ليستلقي في ظلال اليقطين، كأن الخلاص يولد دائماً من أقصى اليأس والقنوط.
تلا سور وآيات وعاد إلى البقرة حين وقفت الملائكة على تخوم الدهشة وحديث الأسماء الأولى، سأل عن بريق المعرفة وسر آدم مع إبليس، عن الطين حتى استحق السجود. عند السحر، حمله قارب الرؤيا إلى أرخبيل الأمنيات وحيث يشتهي من بقايا الأيام، إن كان يبغي الخلد وملك لا يبلى، أو كان يسعى إلى مال قارون أو حكمة لقمان، يبني صرح هامان ويكون على خزائن يوسف بعد السجن، أن يتبع سبباً ويبلغ مشارق الأرض ومغاربها، يبني السد ويؤتى علماً ومن كل شيء سبباً.
وحين أوشك الليل أن يسلم مفاتيحه، سمع صوتاً من أقصى الفجر يسعى، يحمل نوراً، يوقظ الشمس ويطفىء لهيب السؤال، يمشي إليه كما تمشي الرحمة إلى القلوب العطشى، أن أصبر نفسك ولا تعدو عينيك، لا تمدن أذنك ولا تطلق لفضولك العنان. فليس كل باب خلق ليفتح، ولا كل سر كتب يقال. عندها خفتت ضوضاء الأسئلة، واستسلمت الروح لنعاسها الأخير، ترك أحلامه معلقة بين نجمة وأخرى، وغاص في سبات هادئ، وقد أدرك أن الليل لا يبخل بالأسئلة، بل يفيض بها حتى تمتلئ بها السماء، أيقن أن العلم ليس كثرة الأجوبة، وإنما حسن السؤال.