رمزي الغزوي : حين تُراجع البندقيةُ يقينَها
ثمة لحظات في تاريخ الحركات لا تُقاس بما تُسقطه من مواقع، ولا بما تُبرمه من اتفاقات، وإنما بما تُحدثه من ارتجاج داخل الأفكار نفسها. لحظات تقف فيها العقائد أمام حصيلة الطريق، وتكتشف أن الزمن الذي مضى ليس هو الزمن الذي ينتظرها. في تلك اللحظات، يغدو التراجع عن وسيلةٍ ما أقرب إلى مراجعة الذات منه إلى تبديل الأدوات. ومن هنا يمكن قراءة إعلان حماس قبولها تسليم سلاحها. فالمشهد لا يروي حكاية بندقية تُسلَّم، بقدر ما يروي حكاية فكرة تعود، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، إلى مساءلة يقينها.
كبر السلاح داخل خطاب الحركة حتى تمدد خارج حدوده الطبيعية. صار عنواناً للهوية، ومصدراً للشرعية، ورمزاً لا يكاد يُناقش. ومع مرور السنوات، أخذ السؤال العسكري يزاحم السؤال السياسي، ثم تقدم عليه، حتى بدا المشروع كله يدور في فلك أداته. وفي المقابل، ظلت أسئلة الانقسام الفلسطيني، وصورة الحركة في العالم، وتعقيدات النظام الدولي، مؤجلة أو مطروحة من زاوية واحدة، كأن العقيدة وحدها تكفي لإدارة واقع شديد التعقيد.
الحرب الأخيرة كشفت وجهاً آخر للصورة. الملايين التي خرجت في عواصم العالم لم تكن تهتف لتنظيم، ولم تحمل مشروعاً أيديولوجياً بعينه. خرجت من أجل شعب يُقتل، وأطفال يُنتشلون من تحت الركام، وحق إنساني لا يسقط بالتقادم. وهذا فارق عميق. فالقضية الفلسطينية ظلت قادرة على استنهاض الضمير العالمي، فيما بقيت التنظيمات السياسية محكومة بتجاربها، وخياراتها، والصورة التي صنعتها عن نفسها عبر السنوات.
ولعل التجربة كلها أعادت التذكير بحقيقة قديمة؛ فحركات التحرر لا تنجح لأن لديها سلاحاً، وإنما لأنها تعرف متى تستخدمه، وأين تضع حدوده، وكيف يبقى خادماً للمشروع الوطني، لا مشروعاً قائماً بذاته. وما إن تستقل الوسيلة عن غايتها، حتى يبدأ المشروع بدفع أثمان باهظة، مهما كانت نواياه، ومهما كانت عدالة القضية التي يحملها.
لهذا، فإن تسليم السلاح لا يختزل القضية الفلسطينية، ولا يطويها، ولا يمنح الاحتلال صك براءة. القضية أكبر من تنظيم، وأبقى من مرحلة، لأنها قضية شعب يبحث عن حريته وكرامته قبل أي شيء آخر. أما الذي يقف اليوم أمام لحظة مراجعة، فهو نمط كامل من التفكير السياسي، ظل يراهن على أن البندقية قادرة وحدها على حمل ما تعجز السياسة عن حمله.
ويبقى الرهان على ولادة أفق فلسطيني جديد، يداوي الانقسام، ويستعيد المشروع الوطني الجامع، ويفتح نوافذ أوسع على العالم، من دون أن يفرط بحقوقه أو ذاكرته.
فالتاريخ لا يمنح خلوده للأدوات، وإنما للأفكار التي تعرف كيف تتعلم. أما الأوطان، فتبقى أكبر من البنادق، وأوسع من التنظيمات، وأطول عمراً من كل يقين يرفض أن يراجع نفسه.
ــ الدستور