اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. حمد الكساسبة : النهج الاقتصادي الأردني أمام التحولات الجديدة

د. حمد الكساسبة : النهج الاقتصادي الأردني أمام التحولات الجديدة
أخبارنا :  

لم يعد الشرق الأوسط، في ظل التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يشهدها، كما كان قبل سنوات قليلة. فإلى جانب إعادة تشكيل موازين القوة، تتغير مسارات الاستثمار والتجارة، وتتسارع التحولات التكنولوجية، وتُعاد صياغة سلاسل القيمة والإمداد. وفي مثل هذه البيئة، لم يعد نجاح الدول يُقاس بقدرتها على الحفاظ على الاستقرار فحسب، بل بقدرتها على التكيف السريع مع المتغيرات، وبناء مزايا تنافسية جديدة تواكب الاقتصاد العالمي. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى قراءة اقتصادية تنظر إلى المستقبل بقدر اهتمامها بإدارة الحاضر.


لقد نجح الأردن خلال السنوات الماضية في الحفاظ على استقرار مؤسساته واقتصاده، رغم بيئة إقليمية معقدة، وهو إنجاز يمثل قاعدة مهمة لأي مسار تنموي مقبل. إلا أن نموّاً اقتصاديّاً بلغ نحو 2.8% في عام 2025، مقابل بطالة وصلت إلى 21.1% بين الأردنيين في الربع الأول من عام 2026، يؤكد أن المحافظة على الاستقرار، رغم ضرورتها، لم تعد وحدها كافية لتحقيق التحول الاقتصادي المنشود. فالتحدي لم يعد يقتصر على حماية الاقتصاد من الصدمات، بل أصبح يتمثل في تحويل الاستقرار إلى إنتاجية أعلى، واستثمارات نوعية، وفرص عمل مستدامة.


ولا يعني ذلك الدعوة إلى تغيير المسار الاقتصادي أو التقليل من أهمية ما تحقق، بل تطوير النهج الذي تُدار به الأولويات الاقتصادية. ففي المرحلة السابقة، كان النجاح يُقاس بقدرة السياسات على احتواء الأزمات والحفاظ على التوازنات المالية والنقدية. أما المرحلة المقبلة، فتضيف معياراً جديداً يتمثل في سرعة الاستجابة للفرص، ومرونة البيئة التنظيمية، وكفاءة المؤسسات في مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية. فالدول التي تتقدم اليوم ليست فقط الأكثر استقراراً، بل الأكثر قدرة على تحويل المتغيرات إلى فرص للنمو.


ومن هنا، تبرز أهمية بناء مرونة اقتصادية استراتيجية لا تقتصر على مواجهة الأزمات، وإنما تقوم على استشراف التحولات وإعادة توجيه الموارد نحو الأنشطة الأعلى قيمة مضافة. فالاقتصادات التي ستنجح خلال العقد المقبل ليست تلك التي تمتلك أكبر الموارد، بل تلك التي تعرف بدقة ما الذي تريد أن تكونه، وتعمل باستمرار على بناء ميزتها التنافسية وتعزيز موقعها في الاقتصاد الإقليمي والعالمي.


وفي هذا السياق، يصبح من الضروري الانتقال من التركيز على الموقع الجغرافي إلى تحديد الوظيفة الاقتصادية للأردن. فالموقع، مهما بلغت أهميته، لا يصنع قيمة تلقائيّاً، لأن قيمته تتغير مع تغير أنماط التجارة والاستثمار والتحولات الإقليمية. أما الوظيفة الاقتصادية، فهي التي تمنح الدولة دوراً مستداماً داخل الاقتصاد العالمي. ويستطيع الأردن أن يعزز مكانته بوصفه منصة موثوقة تربط بين رأس المال، والكفاءات البشرية، والأسواق الإقليمية، والطلب العالمي على الخدمات المتخصصة.


ويمتلك الأردن مقومات حقيقية تؤهله لهذا الدور، وفي مقدمتها رأس المال البشري، والتقدم في مسارات التحديث الاقتصادي والإداري والرقمي، إلى جانب قاعدة مؤسسية مستقرة. كما أن البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2026–2029، الذي يضم 393 مشروعاً، يعكس حجم الجهد الوطني المبذول. وتكمن الأولوية في المرحلة المقبلة في تعظيم أثر هذه المبادرات من خلال تعزيز التكامل بينها، وتوحيد الأولويات، وربط التنفيذ بنتائج اقتصادية قابلة للقياس.


وفي الوقت نفسه، لم تعد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي قطاعين اقتصاديين منفصلين، بل أصبحا بنية إنتاج تؤثر في الصناعة، والزراعة، والصحة، والتعليم، والخدمات. ولذلك، ينبغي أن يُقاس نجاح التحول الرقمي بقدرته على رفع إنتاجية الاقتصاد وتعزيز تنافسية الشركات، لا بعدد الخدمات الإلكترونية أو التطبيقات التي يجري إطلاقها.


كما أن المنافسة لم تعد بين الشركات وحدها، بل أصبحت بين الدول أيضاً في سرعة اتخاذ القرار، وتطوير التشريعات، وحل التعقيدات الإدارية، واستثمار الفرص قبل انتقالها إلى أسواق أخرى. ومن هنا، فإن بناء دولة سريعة اقتصاديّاً لم يعد خياراً إداريّاً، بل ضرورة تنموية، لأن سرعة التنفيذ أصبحت عنصراً مؤثراً في جذب الاستثمار وتعزيز الثقة.


إن المرحلة الجديدة لا تتطلب تغيير أهداف الاقتصاد الأردني، بقدر ما تتطلب تطوير النهج الذي تُدار به هذه الأهداف. فالاستقرار ينبغي أن يتحول إلى ثقة قابلة للاستثمار، والتعليم إلى قدرة إنتاجية، والتكنولوجيا إلى محرك للنمو، والمهارات إلى صادرات عالية القيمة. وعندما ينجح الأردن في بناء ميزة تنافسية واضحة تستند إلى موارده البشرية ومؤسساته وقدرته على التكيف، فلن يكون مجرد متأثر بالتحولات التي يشهدها الإقليم، بل سيكون أكثر قدرة على تحويلها إلى فرص تعزز النمو وترسخ التنافسية وتدعم مكانته الاقتصادية خلال العقد المقبل.


مواضيع قد تهمك