د. أميرة يوسف مصطفى : بعد استقلالية الجامعات هل آن أوان سيادة المتعلم؟
ليس أصعب على الدول من إصلاح التعليم، وليس أسهل عليها من تعديل قوانينه. فالتشريعات تستطيع أن تعيد تنظيم المؤسسات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تغير الطريقة التي يفكر بها الإنسان. ومن هنا فإن التعديلات الأخيرة على قانون الجامعات الأردنية تفتح الباب أمام سؤال يتجاوز حدود الإدارة والحوكمة: هل اقتربنا من بناء متعلم يمتلك السيادة على تعلمه ومستقبله؟ لا خلاف على أهمية منح الجامعات استقلالية أوسع في إدارة شؤونها الأكاديمية والإدارية والمالية، فذلك يعزز كفاءة القرار، ويرفع مستوى المساءلة، ويمنح المؤسسات مرونة أكبر في الاستجابة للمتغيرات، لكن التجارب العالمية تؤكد أن استقلال المؤسسة ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لبناء إنسان أكثر قدرة على التعلم والابتكار والإسهام في التنمية.
لقد تغير العالم بوتيرة غير مسبوقة. وفي عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد الميزة التنافسية في امتلاك المعرفة، لأن المعرفة أصبحت متاحة للجميع، وإنما في القدرة على تحليلها ونقدها وإعادة توظيفها لإنتاج قيمة جديدة. لذلك لم يعد السؤال: ماذا يعرف الطالب؟ بل: كيف يفكر عندما لا يعرف؟ ومن هنا أطرح مفهوم سيادة المتعلم؛ وهو ليس بديلا عن دور المعلم أو المؤسسة، بل تطور في فلسفة التعليم. وأقصد به أن يمتلك المتعلم القدرة على قيادة رحلة تعلمه، واتخاذ قراراته المعرفية، وإعادة بناء مهاراته كلما تغير الواقع، فيصبح التعلم جزءا من هويته، لا مرحلة تنتهي بالحصول على شهادة.
إن تحقيق هذه الغاية يتطلب إعادة النظر في المنظومة التعليمية بأكملها، فالجامعة لا تبدأ من السنة الأولى، بل من المدرسة التي تشكل أنماط التفكير، وتبني الفضول أو تضعفه. وإذا ظل التعليم المدرسي قائما على الحفظ واسترجاع المعلومات، فلن تستطيع الجامعة مهما اتسعت صلاحياتها، أن تصنع خريجا يمتلك عقلا مستقلا وروحا مبادرة.
كما أن نجاح الإصلاح لم يعد يقاس بعدد الجامعات أو نسب النجاح أو حتى التصنيفات الدولية، بل بقدرة التعليم على إنتاج إنسان يبتكر ويؤسس مشروعا، ويحل مشكلة ويتكيف مع مهن لم تكن موجودة قبل سنوات. فالاقتصادات الحديثة لا تبحث عن حافظي المعرفة وإنما عن صناعها.
إن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يكمن في تحديث التشريعات فحسب، وإنما في تحديث معايير النجاح، فحين يصبح أثر الخريج في الاقتصاد والمجتمع مؤشرا لجودة التعليم، وعندما تتحول الجامعة إلى بيئة لبناء الكفايات، لا مجرد منح الشهادات، سنكون قد انتقلنا من إصلاح المؤسسات إلى بناء رأس المال البشري القادر على قيادة المستقبل.
ربما نكون اليوم قد اقتربنا من منح الجامعات استقلالا أوسع، لكن الرهان الوطني الأكبر يبدأ من هنا، لا ينتهي هنا. فالأمم لا تتقدم لأن جامعاتها أكثر استقلالا، بل لأنها تخرج إنسانا مستقل الفكر، قادرا على التعلم، ومراجعة قناعاته، وإعادة بناء نفسه كلما تغير العالم. عندها فقط تتحول القوانين من نصوص تنظم المؤسسات إلى أدوات تبني الإنسان، ويصبح إصلاح التعليم مشروعا حضاريا، لا مجرد مشروع إداري.