اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عمر الرداد : مسيرة دمياط بين استهداف مصر والسعودية

د. عمر الرداد : مسيرة دمياط بين استهداف مصر والسعودية
أخبارنا :  

بالرغم من الحذر المصري بالتعامل مع حادثة مسيرة دمياط التي استهدفت ناقلة غاز مملوكة لشركة أميركية داخل الميناء، الا ان مجلس الوزراء المصري اكد في بيان رسمي أن التحقيقات الأولية أكدت أن الحادث ناتج عن طائرة مسيرة، مع التشديد على استكمال التحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالح مصر وأمنها القومي، وهو ما فُسّر على أنه رغبة مصرية في تفادي الانجرار إلى دائرة التصعيد الإقليمي، في ضوء سيناريوهات تتضمن تعدد الفاعلين المحتملين الذين يقفون وراء هذه العملية.


وفي ظل عدم اعلان أية جهة مسؤوليتها عن الاستهداف، وعدم ظهور نتائج التحقيقات المصرية التي تتعامل مع حطام الطائرة اضافة لمعلومات استخبارية مرتبطة بها، وتسريبات اقرب الى تحليلات من كونها معلومات وحقائق، فان اصابع الاتهام توجه الى طرفين وهما، الاول: امريكا واسرائيل، بحجة دفع مصر لاتخاذ مواقف ضد ايران، بعد مواقفها الوسطية منذ بداية الهجمات على ايران، والثاني: ايران ووكلائها، التي تريد اثبات قدرتها على ارباك الملاحة الدولية ليس في هرمز فقط بل والاقليم.


ورغم انه لا يمكن في اطار التحليل الاستخباري استبعاد وقوف امريكا او اسرائيل وراء العملية، إلا أن هذه الفرضية تصطدم بإشكالية الدافع والتوقيت، فمصر لم تُبدِ حتى الآن أي انزياح فعلي عن موقفها الوسطي رغم الحادثة، ما يُضعف فرضية أن الهدف كان "معاقبتها" لدفعها نحو التصعيد، إذ لا يبدو أن الرسالة اذا كانت أميركية إسرائيلية،حققت أثرها المرجو حتى الآن، كما أن غياب أي نمط سابق لعمليات مماثلة موجهة ضد مصر تحديداً من هذين الطرفين يجعل الفرضية أقرب إلى احتمال نظري وارد وليس مدعوماً بسوابق ميدانية، بخلاف فرضية الحرس الثوري ووكلائه التي تستند إلى نمط متكرر وموثق.


الشواهد والادلة التحليلية تشير الى ان احتمالات ان يكون وكلاء الحرس الثوري الايراني في الاقليم هم الذين يقفون وراء العملية هي الارجح، استنادا إلى معطيين أساسيين، الاول: مرجح ان الضربة نُفذت من البحر، وأن مسيرات من طراز "شاهد" الإيرانية قادرة تقنياً على قطع مسافات تصل إلى نحو ألفي كيلومتر، ما يجعل انطلاقها من منصة بحرية في شرق المتوسط، يُرجَّح أن تكون لبنانية أو من عناصر متعاونة مع الحرس الثوري وأجهزة استخبارات مرتبطة به داخل سوريا، أمراً وارداً فنياً، والثاني: توقيت العملية، والتصعيد مع السعودية تحديدا، حيث جاء الاستهداف كأبعد نقطة تطالها ضربة منذ اندلاع المواجهة الأوسع مع إيران في المنطقة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول هوية منفذيها ودوافعهم، ويؤشر الى أن الاستهداف ليس عملاً معزولاً، بل جزء من نمط أوسع تتبعه طهران عبر أذرعها الإقليمية "جماعة الحوثي والفصائل العراقية الموالية لها" لتوجيه ضربات غير مباشرة دون أن تتورط إيران نفسها بشكل مباشر.


مؤكد ان مسيرة دمياط لا يمكن فصلها عن سلسلة التصعيد التي سبقتها مباشرة، ومما يؤيد فرضية ان المستهدف بها المملكة العربية السعودية، الاستهدافات المتكررة للمنشآت النفطية السعودية في المنطقتين الشرقية والرياض، وقد اكدت الرياض ان هذه الاعتداءات نفذتها ميليشيات موالية لإيران انطلقت من الأراضي العراقية، والرد السعودي على ذلك بتنفيذ ضربات نوعية بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية ضد مواقع لتلك الميليشيات داخل العراق، مستندة إلى حق الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.


ومن الجدير بالذكر هنا أن الحرس الثوري الايراني يتجنب استهداف المملكة بشكل مباشر عبر مسيّرات أو صواريخ تنطلق من الأراضي الايرانية، ويفضّل تكليف وكلائه الإقليميين -وفي مقدمتهم الحوثيون والفصائل العراقية- بتضييق الخناق على السعودية، وهو ما يمكن الاستنتاج معه ان تزامن هجمات الحوثيين مع هجمات الفصائل العراقية يعكس محاولة منسّقة لإلحاق الضرر بالمملكة دون ترك بصمة إيرانية مباشرة.


ووفقا لهذه الفرضية، فان استهداف دمياط يشكل حلقة جديدة في محاولة توسيع رقعة الضغط لتشمل ممرات الملاحة والطاقة على طول الساحل من هرمز إلى المتوسط، مروراً بباب المندب والسويس، بدلاً من الاقتصار على الضربات المباشرة داخل الأراضي السعودية والعراقية، ويبدو ان رسالة الفاعل هنا ابعد من دمياط، تقول بلا تشفير ان استهداف قناة السويس سيكون الهدف التالي، خاصة بعد الدور المتنامي الذي باتت تلعبه القناة كمتنفس بديل لصادرات النفط السعودي بعدما تعطلت طرق التصدير الرئيسية عبر هرمز وباب المندب، فمنذ الماضي، حوّلت السعودية جزءاً كبيراً من صادراتها النفطية من الخليج إلى البحر الأحمر بسبب تعطل الشحن عبر هرمز، إلا أن هجمات الحوثيين على ناقلات في البحر الأحمر جعلت هذا المسار البديل هو الآخر غير آمن، ما دفع بعض الشحنات إلى اللجوء إلى قناة السويس كخيار أخير رغم كلفته المرتفعة.


يدرك الحرس الثوري انه كلما ضاقت الخيارات أمام الرياض في هرمز وباب المندب، تصاعدت الأهمية الاستراتيجية لقناة السويس والموانئ المصرية على البحر المتوسط، كشريان بديل لتصدير النفط إلى أوروبا، وبالتالي فإن أي ضربة تطال منشآت قريبة من هذا الممر -كميناء دمياط الذي يضم محطات إسالة وإعادة ضخ للغاز توصف بأنها "هدف استراتيجي"- تُقرأ في هذا التحليل كمحاولة لسحب البساط من تحت آخر المنافذ الآمنة نسبياً أمام صادرات الطاقة السعودية.


وفي سياق الاستراتيجيات الايرانية في هذا الصراع، انها تعتبر ان أمن الطاقة في المنطقة لن يتحقق ما لم تكن ايران جزءا منه، فقد اكد محمد قاليباف قبيل مسيرة دمياط، في تصريحات عبر منصة "إكس" أن "معادلة هذه الحرب واضحة، إما الجميع أو لا أحد، وانه في منطقة لا نبيع فيها النفط، لن يبيعه أحد"، وربط أمن مضيق هرمز بشرط خروج القوات الأمريكية من المنطقة، محذرًا من أن "أي بنية تحتية لن تكون آمنة" ما لم يُضمن الأمن الإيراني، وهو ما يتقاطع مع سلوك ميداني متكرر لبحرية الحرس الثوري في الممر العُماني عند مدخل مضيق هرمز، حيث سبق لزوارق تابعة له أن حوّلت مسار عدة سفن تجارية كانت تعبر تلك المنطقة، فضلاً عن استهداف سفن وناقلات رفضت الالتزام بالمسارات التي تعتبرها طهران وحدها "آمنة" شمال جزيرة لارك الإيرانية، معتبرة أي مسار بديل كالممر العُماني "غير مقبول وخطير للغاية".


وإذا كانت معادلة "الكل أو لا أحد" التي يطرحها قاليباف تنطبق حرفياً على هرمز والممر العُماني، فإن منطقها -توسيع رقعة انعدام الأمن الملاحي كلما ضاقت الخيارات أمام طهران- لا يتوقف جغرافياً عند حدود الخليج، بل يمتد وفق هذا التحليل ليشمل أي ممر بديل يمكن أن يُستخدم للالتفاف على الحصار المفروض على الصادرات الإيرانية، وفي مقدمتها السويس والمتوسط، صحيح ان دمياط ليست هرمز، لكنها قد تكون تطبيقاً لنفس المنطق الاستراتيجي في مسرح جغرافي مختلف.


ولا شك ان الحادثة، إلى جانب أبعادها المرتبطة بالسعودية والملاحة الدولية، تحمل رسالة موازية موجهة لمصر تحديداً، فميناء دمياط ليس مجرد منشأة اقتصادية، بل يقع في قلب علاقة مصر بالغاز الإسرائيلي المستورد عبر خط الغاز العربي وشركاتها الأميركية العاملة هناك، وهو ما يجعل استهدافه رسالة ذات دلالة مزدوجة" تذكير للقاهرة بكلفة أي تقارب أمني أو استخباراتي مع واشنطن وتل أبيب في إطار المواجهة مع إيران، وفي الوقت ذاته اختبار لحدود الصبر المصري إزاء ضربات لا تستهدف أراضيها مباشرة بقدر ما تستهدف مصالح شركاء دوليين على أراضيها"، وبقدر ما ينجح هذا الأسلوب في الضغط دون استفزاز رد فعل مصري مباشر، فإنه يمنح طهران واذرعها هامش مناورة ،دون فتح جبهة صريحة مع القاهرة.


وفي الخلاصة، فان سياق الأحداث "من استهداف أرامكو، إلى الرد السعودي-الأميركي في العراق، إلى الاعتماد المتنامي على قناة السويس كبديل لهرمز وباب المندب" يشير الى ان حادثة دمياط لا تتجاوز مربع دائرة الشبهة في الانماط التي تتبعها إيران عبر أذرعها الإقليمية لتوسيع رقعة التهديد إلى الممرات الملاحية الثلاثة الأكثر حيوية للتجارة العالمية ولصادرات النفط السعودي تحديداً، علاوة على كونها رسالة تحذيرية لمصر من الانضمام لأية تحالفات في الاقليم قد تستهدف ايران، ومع ذلك يبقى تأكيد هذا الترابط رهناً بنتائج التحقيقات الرسمية وبما قد يُكشف لاحقاً عن الجهة الفعلية المسؤولة عن الهجوم.




مواضيع قد تهمك