المُستشار محمد صالح الملكاوي : حديث الجنرالات في الأردن تحت سقف السفارة الصينية
حين تبتسم الصواريخ، ولا يُظْهِر صمت العسكريين سخونة البراكين
•بقلم: المُستشار محمد صالح الملكاوي
تحت سقف واحد في الأردن، وفي قاعة تعج بنجوم الأكتاف والنياشين العسكرية، تتلاشى المجاملات الدبلوماسية المُعتادة لتُفسح المجال أمام لغة أخرى تماماً؛ هي لغة الحِسابات العسكرية الصامتة، والنظرات التي تزن موازين القوى العالمية بدقة خبير مُتمرّس.
لقد وجدت نفسي مساء أمسٍ مدنياً وسط هذا الطيف الواسع من المُلحقين العسكريين وكبار الضباط من مختلف أنحاء العالم، بمن فيهم الأردنيين والأمريكيين، وأدركت بأني لا أشهد على مجرد احتفال بروتوكولي بمناسبة الذكرى التاسعة والتسعين لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني، بل كُنت أرصد "غرفة عمليات عسكرية مُصغّرة" في الأردن، تعلم (هذه الغرفة) الكثير حول صراعات الكوكب بأكمله، وهي تراقب المشهد من جهةٍ، وتتابع الاحتفال من جهة أخرى، بعيون حذرة، وألسنة تتكلم، دون أن تتكلّم.
وحين جُلتُ بعيوني في أفكار هذا التجمّع العسكري المهيب، من المُلحقين العسكريين وكبار الضباط، أدركت يقيناً أن أغلبهم سيتحدثون في كل شيء متاح، إلا في الشؤون العسكرية المُباشرة. والسبب أعمق بكثير مما يتخيل البعض؛ فكُل حرفٍ يتفوهون به يُحسب بدقة على مؤسساتهم العسكرية وعلى دولهم، خاصة وأن معظمهم إن لم يكن كُل المُلحقين العسكريين وكبار الضباط هم بالأصل رجال مخابرات واستخبارات أولاً، وعسكريتهم تأتي ثانياً.
إن أخطر ما في الكواليس والغُرف المُغلقة هو "حديث الجنرالات" العسكريين والاستخباريين والأمنيين؛ فعلى العكس تماماً من القادة السياسيين الذين يمتلكون دائماً رفاهية الهروب نحو مساحات المراوغة بالقول إن كلامهم قد تم اجتزاؤه، أو تحويره، أو أنهم لم ينطقوا به أصلاً، فإن حديث العسكريين لا يترك مجالاً للتأويل ولا يقبل النفي أو التحوير أو الإنكار. فالكلمة العسكرية هي التزام صارم، والخطأ فيها قد يعيد رسم خرائط استراتيجية كاملة للدولة.
وصدقوني وأنا أشاهد الفيديوهات عن الجيش الصيني التي كانت تحيطنا بالقاعة احتفاءً واحتفالاً بالذكرى التاسعة والتسعين لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني، كان لا بد لي (كمستشار مدني يُطلّ من نافذة ضيّقة على على الشؤون العسكرية والأمنية والاستخبارية)، من الاعتراف لكم، بأني كنتُ على قناعة تامة بأن القوة الكبرى في العالم الوحيدة التي تُراقب المشهد العسكري العالمي، بما فيه ما يجري بين روسيا وأوكرانيا، وما تدور رحاه بين الولايات المتحدة وإيران، هي الصين ... وحدها الصين.
فالصين لا تراقب هذه المشاهد بعين المُتفرج التقليدي، بل ترى في هذه الحروب والصراعات العالمية التي أمامها "مناورة حيّة" تُدار بأسلحة غيرها وبدماء جيوش أخرى مُنافسة لها، وليس جيشها. وأرى بأن الصين هنا هي المُستفيد الأكبر من كل ما يجري من حروب؛ خاصة وأن جيشها لم يُرهقه القادة السياسيون والعسكريون بأي حروب جانبية استنزافية، على عكس ما نراه بين الجيش الأمريكي وإيران، والجيش الروسي وأوكرانيا، والاشتباكات الحربية في قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان.
وقد ذكّرني الموقف الصيني الحالي هذا بمواقف القائد العربي المُسلم خالد بن الوليد العسكرية، الذي قال ذات مرّة، بأنه ما مرّ على جبل أو وادٍ أو صحراء، وفي فصل صيف أو شتاء، إلا وتخيّل العدو يخرج عليه، وأن عليه أن يكون مُستعداً دائماً لكل الاحتمالات والمفاجئات، لهذا خاض حوالي 100 معركة في حياته لم يُهزم فيها مطلقاً ... وهذا هو برأيي موقف الصين حالياً، التي تُراقب بعيون حذرة ومستعدة لكل الخيارات.
وليُسامحنى الجنرالات الأمريكيين والجنرالات الصينيين الذين كانوا في قاعة الاحتفال، لأني كمستشار مدني كُنت أتخيل كيف ستلتقي وتتقاطع عيون هؤلاء الجنرالات مع بعضها البعض في هذا الاحتفال، وقد برزت في عقلي الداخلي أسئلة كُبرى، وسألت نفسي:
1.هل ستُخفي هذه النظرات العميقة والثاقبة تلميحاً أمريكياً خفياً من الجنرالات الأمريكيين مثلاً بأن الولايات المُتحدة تعتقد بأن إيران حصلت على تقنيات استخبارية وصور فضائية حديثة من الصين ساعدتها (أي ساعدت إيران) على اختراق وخِداع أنظمة الدفاع الأمريكية المتقدمة في المنطقة؟
2.أم أن عيون الجنرالات الصينيين كانت ستؤكد بثبات بأن الصين تقف على شعرة الحياد الاستراتيجي بين الطرفين (الأمريكي والإيراني)، وأنه ليس من مصلحتها الانخراط المباشر في حروب الآخرين؟
ورغم ذلك، أنا متأكد تماماً (وهذه قناعة شخصية مني كمستشار مدني) من أن الصين تتوافق ضمنياً ودون إعلان مع الولايات المتحدة الأمريكية في خط أحمر واحد، وهو رفض الصين امتلاك إيران للسلاح النووي. فالصين هذه الدولة الشيوعية والاشتراكية لا تُحبذ ابداً وجود جار إقليمي لها تحكمه قيادات دينية مُتطرفة، مرفوضة في العام 2026 من الشعب الإيراني، ومرفوضة أيضاً من العالم الإسلامي، بأن تمتلك إيران السلاح النووي، حيث أنه يكفي الصين ما تعانيه من صداع دائم في جيرتها مع خصمين لدودين هما الهند وباكستان. فدخول إيران إلى النادي النووي العالمي يتعارض تماماً مع مصالح قوة عظمى كالصين ترى نفسها المُنافس الأقوى عسكرياً واقتصادياً على عرش العالم في المستقبل.
كما أُدرك جيداً بأن الصين تتابع بدقة وتعرف خفايا الحرب الروسية على أوكرانيا، مثلما تعرف أيضاً خفايا الحرب الأمريكية على إيران، وهي (أي الصين) تُدرك بأن هذه الحروب تحمل أبعاداً استراتيجية تفوق بكثير حدود مضيق هرمز أو باب المندب. فالحروب الحقيقية بالصورايخ والطائرات المُسيّرة والطائرات الشبحية والقذائف العملاقة هي التي تُسقط كُلّ مساحيق التجميل عن المنظومات العسكرية، وتكشف بوضوح قاطع نقاط الضعف والعورات العسكرية والأمنية والاستخبارية؛ وخصوصاً تلك الثغرات القاتلة التي تُعاني منها منظومات الدفاع الجوي في التصدي للصواريخ البالستية، وصواريخ كروز، والطائرات المُسيّرة، وفنون الخداع الجوي الحديثة.
هنا توقف عقلي قليلاً أمام كُلّ هذه الرُتب العسكرية، وسألت نفسي أسئلة مصيرية خطيرة:
1.ففي ضوء ما قاله المُلحق العسكري الصيني في كلمته خلال الحفل عن تايوان وأنها أرض صينية: هل ستستغل الصين هذا المخاض العالمي المُستعر من الحرب الروسية الأوكرانية والاشتباك الأمريكي الإيراني، لتفاجئ العالم بضربة كبرى وقرار حاسم تجاه تايوان تزامناً مع الاحتفال بالعيد المئوي لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني العام القادم / تموز 2027؟
2.وهل سُتفاجئنا روسيا التي تتطاير التقارير الاستخبارية والأمنية والسياسية بشأن إمدادها لإيران بالأسلحة عبر بحر قزوين بعيداً عن مقصلة المراقبة الأمريكية، بصفقة كبرى تربط فيها الملف الأوكراني بالملف الإيراني، لتعيد روسيا رسم تسوية تمنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أفضلية في حرب أوكرانيا، وتضمن للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أيضاً أفضلية في حرب إيران.
3.وهل سيُفاجئنا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتغريدة على تروث سوشيال يُعلن فيها أن إدارته نجحت في انقلاب في إيران، وأن قيادة مدنية إيرانية ستُقصي نظام ملالي إيران الحالي إلى الأبد، وتتحرر إيران من هيمنة القيادات الدينية المُتطرّفة منذ عام 1979.
إنها أسئلة كُبرى مُعلقة يُرددها مُستشار مدني (يُطل من النافذة على الشؤون العسكرية والأمنية والاستخبارية) على حافة التاريخ، وتحت سقف السفارة الصينية، وسط نُخب الجنرالات وصُنّاع القرارات العسكرية بالحرب أو بالسلام، لهذا تبقى لغة الإشارات والعيون أصدق أنباءً من كل البيانات الرسمية. كما يبقى صمت الجنرالات هو البركان الذي يغلي بهدوء ولا نراه إلا في غرف العمليات العسكرية المُغلقة علينا.
هنا في هذا الاحتفال البروتوكولي، لا تُباع الكلمات، بل تُحسب هذه الكلمات بوزن الذهب عند العسكريين، فصمت الجنرالات أبلغ ألف مرة من خطابات السياسيين. فوزن الكلمة وثِقل البدلة العسكرية تُحددها القوّة العسكرية، وليس البدلات وربطات العُنق الفاخرة للسياسيين من أبرز الماركات العالمية.
وأخيراً، أرجو أن يفهم الجنرالات وكبار الضباط العسكريين من مختلف دول العالم بشكل عام، والجنرلات الصينيين والأمريكيين بشكل خاص، بأن مقالي هذا هو من باب التحليل، وليس من باب القناعة الشخصية أو التجميل. وإذا لم أُدعَ في العام القادم إلى مئوية الجيش الصيني، فهذا يعني أن مقالي التحليلي هذا قد أغضب البعض، وأن هدوء العسكريين لا يكشف البراكين وراءها.