اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

عقيد متقاعد محمد الخطيب : تعقيب على مقال الدعجة حول العمالة الوافدة المخالفة

عقيد متقاعد محمد الخطيب : تعقيب على مقال الدعجة حول العمالة الوافدة المخالفة
أخبارنا :  

أثار الدكتور هايل الدعجة في مقاله جملة من الأسئلة المهمة والمشروعة حول ملف العمالة غير الأردنية المخالفة، وهو ملف يستحق نقاشًا أوسع، لكن بعض الاستنتاجات تحتاج إلى أرقام رسمية حتى يمكن البناء عليها بدقة.


أولًا، لا يوجد حتى الآن – حسب ما هو منشور – رقم رسمي واضح يحدد عدد العمال المخالفين الذين قاموا فعليًا بتصويب أوضاعهم منذ بدء فترة قوننة وتوفيق الأوضاع في 15 حزيران 2026. ولذلك فإن رقم نحو 321 ألف تصريح عمل ساري المفعول لا يمكن استخدامه وحده لاستنتاج أن 10–15 ألف عامل فقط صوبوا أوضاعهم؛ لأن هذا الرقم يشمل تصاريح كانت سارية أصلًا وتجديدات طبيعية وتصاريح صدرت أو جُددت خلال فترة التصويب.


ولهذا نحتاج إلى إجابة رسمية عن سؤال بسيط: كم عاملًا مخالفًا استفاد فعليًا من قرار توفيق الأوضاع منذ 15 حزيران، وكم تصريحًا صدر أو جُدد تحديدًا ضمن هذه الإجراءات؟


ثانيًا، أي مرحلة لتصويب أوضاع العمالة المخالفة يجب أن تسير بالتوازي مع حملات تفتيش ورقابة ميدانية قوية ومكثفة. فالإعفاءات والتسهيلات، مهما بلغت، لن تكون كافية إذا كان العامل المخالف أو صاحب العمل يعتقد أنه يستطيع الاستمرار في المخالفة دون احتمال جدي للضبط.


الأصل أن يوضع المخالف أمام خيارين واضحين: الاستفادة من المهلة والتسهيلات وتصويب وضعه، أو تحمل الإجراءات والعقوبات القانونية عند ضبطه. أما تقديم إعفاءات واسعة دون رقابة موازية، فقد يدفع البعض إلى الرهان على عدم ضبطه أو انتظار فترة تصويب جديدة.

وهنا نحتاج إلى معرفة عدد حملات التفتيش التي نُفذت منذ بدء التصويب، وعدد العمال المخالفين والمنشآت التي ضُبطت، وعدد قرارات التسفير التي صدرت أو نُفذت.


ثالثًا، يبقى السؤال الأكبر: كم يبلغ أصلًا عدد العمالة غير الأردنية الموجودة في المملكة؟ وكم عدد المخالفين منها؟


خلال سنوات عملي الأربع في وزارة العمل، كان الوصول إلى رقم دقيق ومحدث للعمالة الوافدة، وخصوصًا المخالفة، يمثل تحديًا حقيقيًا، بسبب غياب منظومة تقنية متكاملة بالقدر المطلوب، إلى جانب ضعف المتابعة الميدانية المستمرة ضمن اختصاص مديريات ومكاتب العمل.


المطلوب اليوم قاعدة بيانات وطنية مترابطة تستطيع تحديد عدد العمال غير الأردنيين الموجودين في المملكة، والحاصلين على تصاريح، والمخالفين، والقطاعات التي يعملون فيها، وانتقالاتهم بين أصحاب العمل والمهن، وتاريخ انتهاء التصاريح والإقامات ومغادرتهم المملكة. فلا يمكن إدارة مشكلة لا نعرف حجمها الحقيقي.


رابعًا، هناك بالتأكيد كلفة مالية واقتصادية كبيرة لوجود أعداد كبيرة من العمالة خارج إطار التصاريح. لكن تحديدها بمئات الملايين أو المليارات يحتاج إلى معرفة العدد الحقيقي للمخالفين، ومدة مخالفة كل عامل، ونوع التصريح والرسوم التي تنطبق عليه.


ولا بد هنا من التمييز بين رسوم تصاريح العمل والغرامات التي تمثل حقوقًا مالية مرتبطة بالدولة، وبين التأمين والفحوص الطبية وغيرها من الكلف التي لا تعد جميعها إيرادًا مباشرًا للخزينة.


كما أن تحويلات العمالة الوافدة إلى الخارج تمثل أثرًا اقتصاديًا مهمًا، لكنها ليست بحد ذاتها «خسارة للخزينة»، وإنما دخول وأجور يتم تحويل جزء منها إلى الخارج.


ومع ذلك يبقى السؤال المالي مشروعًا: كم تبلغ رسوم تصاريح العمل والغرامات التي كانت مستحقة على العمالة المخالفة عن السنوات السابقة؟ وكم جرى الإعفاء منه؟ وكم تم تحصيله فعليًا؟ فهذه أموال وأرقام من حق الرأي العام معرفتها.


خامسًا، هناك جانب آخر لا يقل أهمية يتعلق بتعليمات التصويب نفسها. فلا يجوز تحميل العامل المخالف وحده المسؤولية إذا كانت الإجراءات لا توفر له مسارًا واقعيًا لتصويب وضعه.


هناك، على سبيل المثال، عمال يحملون تصاريح زراعية بينما يعملون فعليًا في الإنشاءات أو مهن أخرى. فإذا جاءت حملة التصويب ولم تمكنهم، ضمن احتياجات سوق العمل وحماية فرص الأردنيين، من الانتقال بصورة قانونية ومرنة إلى القطاع الذي يعملون فيه، أو رافقتها إجراءات معقدة، فقد نجد أن الفئة المستهدفة أصلًا لا تستطيع الاستفادة من التصويب.


لذلك يجب أن تجمع العملية بين تعليمات واقعية ومرنة، وتسهيلات مالية وإجرائية، وتفتيش ورقابة حازمة. عندها فقط يمكن الحديث عن إعادة تنظيم حقيقية لسوق العمل.


سادسًا، القضية ليست اقتصادية ومالية فقط، وإنما لها أبعاد تنظيمية وأمنية واجتماعية. فوجود أشخاص غير أردنيين بصورة مخالفة لسنوات يستوجب السؤال: كيف استمرت المخالفة كل هذه المدة؟


وهذا لا يتعلق فقط بعمال الزراعة والإنشاءات والمطاعم، وإنما يشمل كذلك عاملات المنازل وغيرهن ممن تنتهي تصاريحهن أو إقاماتهن ويستمررن في العمل أو الإقامة بصورة مخالفة.


من مسؤولية الدولة أن تعرف من يوجد على أراضيها، وأين يقيم، وأين يعمل، وما وضعه القانوني. وتجارب دول أخرى، ومنها دول خليجية، تظهر أهمية الربط الإلكتروني الفعال بين الإقامة والعمل والجهات الرقابية لمنع استمرار المخالفة سنوات طويلة.


سابعًا، أما التساؤل حول إعفاء العامل الوافد من بعض الرسوم والغرامات في الوقت الذي يلتزم فيه المواطن الأردني بما يترتب عليه من التزامات مالية، فهو سؤال مفهوم، لكن يجب النظر إليه بإنصاف.


الإعفاء هنا أداة استثنائية تستخدمها الحكومة لإعادة المخالف إلى المظلة القانونية، وليس بالضرورة تفضيلًا له على المواطن. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح فترات التصويب والإعفاء نهجًا متكررًا؛ لأن ذلك قد يرسل رسالة خاطئة مفادها أن انتظار الإعفاء أقل كلفة من الالتزام بالقانون منذ البداية.


لذلك يمكن تفهم تسهيلات استثنائية لمعالجة تراكم قديم، لكن يجب أن يعقبها تطبيق حازم للقانون، حتى لا تتحول التسهيلات من جسر نحو الالتزام إلى حافز لانتظار إعفاء جديد.


وأخيرًا، أعتقد أن جوهر القضية التي أثارها الدكتور هايل ليس في مهاجمة العامل الوافد، وإنما في طرح سؤال مؤسسي أكبر:

كيف تراكم لدينا هذا العدد من العمالة المخالفة؟ ومن كان مسؤولًا عن متابعتها؟ وكم خسرت الدولة من الرسوم المستحقة؟ ومن المسؤول عن تحصيل حقوقها المالية؟


وزارة العمل تتحمل مسؤولية أساسية في تنظيم تصاريح العمل والتفتيش، لكن الملف يتداخل كذلك مع وزارة الداخلية والجهات المعنية بالإقامة والصحة وغيرها.


والمطلوب ليس حملة مؤقتة كل عدة سنوات، بل منظومة وطنية دائمة ومترابطة تعرف منذ دخول العامل إلى المملكة وضعه القانوني، ومكان عمله، وتصريحه وإقامته، وأي تغيير يطرأ عليه، والمبالغ المستحقة، وموعد مغادرته.


فالسؤال الذي يجب أن نختم به ليس فقط: كم تصريح عمل أصدرنا؟


بل: كم تصريحًا كان يجب أن يصدر ولم يصدر؟ وكم عاملًا كان يجب أن يكون تحت مظلة القانون وبقي خارجها؟ ولماذا؟ ومن المسؤول عن متابعة ذلك وتحصيل حق الدولة؟


هنا، برأيي، يكمن جوهر المشكلة، ومن هنا يجب أن يبدأ الإصلاح الحقيقي لسوق العمل.


مواضيع قد تهمك