اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. نوال محمد نصير : الأخلاق... الاستثمار الذي لا يخسر

د.  نوال محمد نصير : الأخلاق... الاستثمار الذي لا يخسر
أخبارنا :  

بقلم: الدكتورة نوال محمد نصير


في كل زمان كانت الأخلاق هي القيمة التي ترفع الإنسان، لكنها اليوم أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى. ففي ظل ضغوط الحياة، وتسارع الأحداث، وانشغال الجميع بتحقيق النجاح، قد ينسى البعض أن النجاح الحقيقي لا يقاس بما نملكه من مال أو مناصب، بل بما نتركه من أثر طيب في حياة الآخرين.


قد يصل الإنسان إلى أعلى المراتب، ويحقق الكثير من الإنجازات، لكن إذا خسر ثقة الناس واحترامهم، فإنه يكون قد خسر أهم ما يملك. فالأخلاق ليست كلمات نتحدث بها، ولا شعارات نرفعها، بل سلوك يظهر في كل موقف، وفي كل قرار، وفي طريقة تعاملنا مع الناس.


وفي حياتنا اليومية نرى أن الكلمة الطيبة تفتح القلوب، وأن الاحترام يجعل العلاقات أقوى، وأن حسن التعامل يترك أثرًا لا ينسى. فالناس قد تنسى ما قلناه، لكنها لا تنسى كيف عاملناها، ولا المواقف التي وجدتنا فيها إلى جانبها.


وفي بيئة العمل، لا يقاس نجاح الموظف بعدد الملفات التي أنجزها فقط، وإنما بأمانته، واحترامه للوقت، وتعاونه مع زملائه، وحسن تعامله مع المراجعين. فهذه القيم تخلق بيئة عمل مريحة، وتزيد ثقة الناس بالمؤسسة، لأن المؤسسة التي تحترم الإنسان تكسب احترام الجميع.


أما الإدارة، فلا تقوم على إصدار القرارات فقط، بل على بناء الثقة بين المسؤول وموظفيه. فالمدير الذي يعدل بين الجميع، ويستمع إلى فريقه، ويقدر جهودهم، ينجح في بناء فريق يعمل بروح واحدة، ويشعر كل فرد فيه بأن له قيمة ودورًا حقيقيًا في النجاح.


ولا يختلف الأمر في الاقتصاد، فالثقة هي أساس كل تعامل ناجح. فالمستثمر يبحث عن النزاهة والاستقرار، والمستهلك يعود دائمًا لمن يثق به، والتاجر الذي يحافظ على صدقه وسمعته يبني نجاحًا يستمر لسنوات. لذلك كانت الأخلاق دائمًا من أهم أسباب التنمية والاستقرار.

وأكتب هذه الكلمات من واقع عملي وتجربتي كامرأة عاملة، فقد تعلمت أن أجمل ما يتركه الإنسان في مكان عمله ليس عدد السنوات التي قضاها، ولا عدد الملفات التي أنجزها، بل الأثر الطيب الذي يبقى في نفوس من تعامل معهم. فالكلمة الصادقة، والابتسامة، والعدل، واحترام الآخرين، لا تحتاج إلى ميزانية، لكنها تصنع فرقًا حقيقيًا في بيئة العمل، وتبقى في ذاكرة الناس حتى بعد مرور السنوات.

إن بناء المجتمعات لا يبدأ بالمشاريع وحدها، ولا يكتمل بالقوانين وحدها، بل يبدأ بالإنسان. فكلما تمسكنا بالأخلاق في بيوتنا، ومدارسنا، وجامعاتنا، ومؤسساتنا، أصبحنا أكثر قدرة على بناء مجتمع يقوم على الثقة، ويحترم العمل، ويؤمن بأن النجاح الحقيقي لا ينفصل عن القيم.


وفي النهاية، قد تتغير المناصب، وقد تزيد الأموال أو تنقص، لكن الأخلاق تبقى هي الرصيد الحقيقي للإنسان. فهي لا تُشترى، ولا تزول مع الزمن، بل تبقى في القلوب والذاكرة، ويظل أثرها حاضرًا حتى بعد أن يغادر الإنسان مكانه. ولذلك ستبقى الأخلاق دائمًا الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر.



مواضيع قد تهمك