اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

البروفيسور يوسف العساف : كيف نرتقي بالتنافس التقني إلى تنافس حضاري؟

البروفيسور يوسف العساف : كيف نرتقي بالتنافس التقني إلى تنافس حضاري؟
أخبارنا :  

عندما طرح المفكر مالك بن نبي مفهوم "إنسان ما بعد الموحدين” لم يكن يكتب تاريخ سقوط دولة، بل كان يشخص سبب تراجع أمة. فقد رأى أن الحضارات لا تنهض بما تمتلكه من موارد أو أدوات، وإنما بالإنسان القادر على تحويل تلك الموارد إلى مشروع حضاري. لذلك كان يؤكد أن استيراد الأشياء لا يصنع "النهضة"، لأن النهضة تبدأ بصناعة "الإنسان" قبل صناعة الآلة.


واليوم، يضعنا الذكاء الاصطناعي أمام السؤال ذاته، ولكن في ثوب جديد. فإذا تعامل العالم العربي مع هذه الثورة كما تعامل مع كثير من الثورات التقنية السابقة، فسنكرر دورة "ما بعد الموحدين” بصورة رقمية؛ سنمتلك أحدث المنصات، ونستخدم أفضل النماذج، ونسرّع التحول الرقمي، لكننا سنظل مستهلكين للتكنولوجيا أكثر من كوننا منتجين لها. ستتراكم الأدوات، بينما يبقى الإنسان خارج دائرة الإنتاج والابتكار.


أما إذا جعلنا "صناعة الإنسان" نقطة البداية، فإن الذكاء الاصطناعي قد يصبح أكبر فرصة حضارية عرفتها المنطقة منذ قرون. فالمنافسة في هذا العصر لا تقوم على الموارد الطبيعية وحدها، بل على العقول، والجامعات، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، والقدرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية وحضارية.


وتؤكد تجارب دول عديدة هذه الحقيقة. فسنغافورة لم تكن تملك ثروات طبيعية، لكنها استثمرت في الإنسان، وربطت التعليم بالتنمية والابتكار، حتى أصبحت من أكثر اقتصادات العالم تقدمًا. وكوريا الجنوبية خرجت من الحرب بين أفقر دول العالم، لكنها بنت مشروعها على التعليم، واحترام المعرفة، والإتقان، والبحث العلمي، فتحولت إلى قوة صناعية وتقنية عالمية. وفنلندا جعلت جودة التعليم، والتفكير النقدي، والثقة المجتمعية أساسًا لبناء اقتصاد المعرفة. لم تبدأ أي من هذه الدول بالتكنولوجيا؛ بل بدأت ببناء الإنسان الذي ينتج التكنولوجيا.


وهذا هو الدرس الذي نحتاجه اليوم. فالذكاء الاصطناعي لن يجعلنا أقوياء لمجرد أننا نستخدمه، بل عندما نصبح قادرين على تطوير نماذجه، وابتكار تطبيقاته، وتأسيس شركاته، وتسجيل براءات اختراعه، وإعداد العلماء والباحثين الذين يقودون موجته المقبلة. إن القوة العلمية والتقنية ليست خيارًا، بل شرطًا لبناء اقتصاد قوي، ومؤسسات فاعلة، واستقلال استراتيجي في عالم يتغير بسرعة.


لكن بناء الإنسان لا يعني مجرد تخريج أعداد أكبر من المتخصصين، ولا إنتاج نماذج إعلامية أكثر حضورًا. وهنا يبرز تحذير الفيلسوف الكندي آلان دونو في كتاب «نظام التفاهة»، حيث يبين كيف يمكن لبعض النظم الحديثة أن تكافئ الامتثال والسطحية والقدرة على الظهور أكثر مما تكافئ الكفاءة والإبداع. وفي عصر المنصات الرقمية، قد يصبح عدد المتابعين معيارًا للنجاح، ويصبح المؤثر أشهر من الباحث، وصانع المحتوى أكثر حضورًا من صانع المعرفة.


إن صناعة الإنسان التي دعا إليها المفكر مالك بن نبي تختلف جذريًا عن صناعة النجومية. فهي تعني بناء إنسان يمتلك "المعرفة، والتفكير النقدي، والانضباط، وروح المبادرة، والقدرة على الابتكار، والشجاعة الأخلاقية، والمسؤولية تجاه مجتمعه". فالحضارة لا يقودها أصحاب أعلى نسب المشاهدة، وإنما يقودها أصحاب أعلى قيمة مضافة للعلم والمعرفة.


ويمتلك العالم العربي مقومات قد تمكنه من تقديم نموذج متميز إذا أحسن استثمارها. فإلى جانب موقعه الجغرافي وطاقاته البشرية، يمتلك إرثًا حضاريًا جعل العلم أساسًا للعمران، ورسخ قيم الكرامة الإنسانية، والعدل، والإحسان، والمسؤولية، وإعمار الأرض. وهذه ليست قيمًا تخص ثقافة بعينها، بل مبادئ إنسانية تلتقي عليها الحضارات والأديان والفلسفات، ويزداد العالم حاجة إليها مع التسارع غير المسبوق في تقنيات الذكاء الاصطناعي.


لكن هذه القيم وحدها لا تكفي، كما أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. فلا يمكن بناء حضارة بالأخلاق دون علم، كما لا يمكن بناء مستقبل بالتكنولوجيا دون قيم. المطلوب هو منظومة متكاملة تجعل بناء الإنسان أولوية وطنية؛ تعليم يحرر العقل، وبحث علمي يصنع المعرفة، واقتصاد يكافئ الإبداع، وإعلام يحتفي بالعلماء كما يحتفي بالمشاهير، ومؤسسات تفتح المجال للكفاءة والابتكار. عندها تصبح القيم قوة دافعة للعلم، ويصبح العلم وسيلة لترجمة القيم إلى واقع.


إن مشروعنا لا ينبغي أن يختار بين التقنية والقيم، ولا بين القوة والأخلاق. بل يجب أن يسعى إلى تحقيق الاثنين معًا. علينا أن ننافس بقوة في تطوير الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والعلوم المتقدمة، حتى نكون بين الدول التي تصنع المستقبل، لا التي تستهلكه. لكن بعد تحقيق القوة التقنية، يجب أن نرتقي بها إلى مشروع حضاري يجعل الإنسان غايتها، ويجعل التكنولوجيا وسيلة لعمران الأرض وخدمة البشرية.


فإذا كان مالك بن نبي قد حذر من إنسان فقد فاعليته الحضارية، وإذا كان آلان دونو قد حذر من نظام يكافئ التفاهة، فإن تحدي عصر الذكاء الاصطناعي هو ألا نصنع إنسانًا رقميًا بارعًا في الظهور، بل إنسانًا حضاريًا بارعًا في الإبداع. فالنهضة لا يصنعها الأكثر حضورًا على الشاشات، بل الأكثر قدرة على إنتاج المعرفة، وتحويلها إلى اقتصاد، وتسخير التكنولوجيا لخدمة الإنسان.


إن التفوق التقني يصنع القوة، أما الذكاء الحضاري فيوجّه هذه القوة ويحوّلها إلى قيادة. فالأمم العظيمة لا تكتفي بأن تكون قوية أو متقدمة تقنيًا، بل تسعى إلى أن تكون نموذجًا حضاريًا يُحتذى به في المعرفة والقيم والعدالة وخدمة الإنسان. وهذه هي الفرصة التاريخية أمام العالم العربي: أن يبدأ بصناعة الإنسان، ليصنع الإنسان العلم، ويصنع العلم القوة، ثم يوجّه الذكاء الحضاري هذه القوة نحو بناء حضارة تليق بالإنسان.





مواضيع قد تهمك