اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. فواز الحموري : سفرة عبر المسافات

م. فواز الحموري : سفرة عبر المسافات
أخبارنا :  

صديق وزميل دراسة اغترب منذ زمن، واستقر به الأمر في كاليفورنيا. اشتاق إلى سفرة تجمع العائلة لتناول الطعام الشهي مهما كانت مكوناته، وتمنى أن أكتب عبر المسافات عن شوقه الخاص للقدس و"أبو ديس" وأسرته التي كانت تتحلق معًا في الصباح الباكر وعند الظهيرة والمساء، لتناول الطعام وسرد حكاية تعطر المكان والزمان. ولكن غابت تلك الحكاية منذ ذلك الوقت، ولم تعد تظهر إلا صورها عبر الإنترنت والمقابلات التلفزيونية.

 

أتواصل بين الفينة والأخرى مع الزميل الدكتور إبراهيم أبو هلال، الذي يرى في كل مشهد وطعام وصورة بلده، ويشم رائحة الشوق إلى البساطة والعودة إلى الأصل. والسؤال عن كل فرد حلم يومًا بأشياء جميلة وخبأها في حقيبة مدرسته، عله يكبر ويحقق ما يريد.

بين عمّان وكاليفورنيا فرق ساعات، ولكن التواصل بيننا أصبح متاحًا عبر وسائل عديدة وسريعة، مثل تناولنا كأس شاي في كافتيريا كلية الزراعة في الجامعة الأردنية في الثمانينيات، حين كنا ننظر إلى العالم من زاوية واحدة، وهي الأمل بالمستقبل.

السفرة عبر المسافات هي عبارة عن وعد دائم باللقاء بين جميع الأصدقاء، وكانت الجامعة الأردنية الأم التي رعتنا أفواجًا وأفواجًا. وتقاسمنا فصلًا دراسيًا كاملًا في مزرعة الجامعة في الغور، وكانت السفرة الممتدة من بداية دخول الجامعة وحتى التخرج بمثابة فرح متجدد، مع بساطة الحياة ومكوناتها اليومية من الزيت والزعتر والبيض والجبنة والدجاج واللحم والسمك.

كانت رحلة إعداد سفرة الأيام بيد الأمهات المباركة تحمل في طياتها الكثير من الأمنيات الجميلة لكل ابن وابنة لنيل المراد والرضا والتوفيق، مثل سائر الخلق. ومهما كانت المسافات طويلة والطرق صعبة، ومهما طال الوقت، تبقى السفرة مشرعة لاستقبال الجميع بود ونفس طيب.

على الرغم من الأحداث الراهنة في العالم وما يفسد الشهية للأكل على سفرة الأيام، إلا أن صديقي وزميلي العزيز الدكتور إبراهيم أبو هلال يرسل من كاليفورنيا، فور عثوره على ما يشبه ملامح ومكونات السفرة، الكثير من الصور والأمنيات بأن يبقى الطعم الشهي في ذاكرتنا، ليشكل حلقة من التواصل بين الماضي والحاضر وللأجيال بينهما.

نتأمل معًا غياب المعنى الحقيقي للسفرة ولمّة الأسرة حولها. الأسباب عديدة، ومنها السرعة والغفلة والوجبات الجاهزة، ولكن هل نعي حجم الفرح في الجلوس معًا على السفرة مهما كانت متواضعة المكونات؟ لقد كان لتناول الوجبة معنى يضيف إلى الألفة الكثير.

في الغربة وعبر المسافات، تتدفق المشاعر لإعداد سفرة غنية بالذكريات والمكونات الشعبية، والإصرار على طريقة معينة تجلب السعادة وتغلفها براحة البال والهدوء النفسي والابتسامة الصافية والشبع الحقيقي.

سفرة عمّان، كما هي القدس، مشرعة برحابة وكرم وطيب، ومعدة بأيدٍ مباركة وطاهرة، ومكوناتها الأصالة والوعد والحلم والعشق للحرية واللقاء والصمود والثبات والانتماء. لم تعد المسافات حاجزًا، بل أصبحت عنوانًا، يا إبراهيم، لقصة خالدة في التاريخ؛ هي سفرة ستبقى عامرة لا محالة.

ـــ الراي


مواضيع قد تهمك