اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

الصبيحي : رسالة إلى ( 413 ) ألف متقاعد

الصبيحي : رسالة إلى ( 413 ) ألف متقاعد
أخبارنا :  

متقاعد ضمان يسألني؛ هل يجوز أن أبيع راتبي التقاعدي؟

​يصلني بين الحين والآخر تساؤلات وأسئلة من بعض قليل من الإخوة متقاعدي الضمان الاجتماعي، تتمحور حول فكرة غريبة ودخيلة، وهي: "هل يجوز بيع راتب تقاعد الضمان؟"

​أجدني وأنا أتناول هذا الموضوع، مدفوعاً بمسؤولية وطنية وقانونية للتحذير الصارم من الانجرار وراء مثل هذه الممارسات، حتى وإن كانت الدوافع وراءها ضاغطة، كالحاجة الملحة للسيولة النقدية، أو العوز ، أو الرغبة في تمويل مشروع صغير يُدرّ دخلاً أفضل. فالغاية، مهما كانت مشروعة لا تبرر الوسيلة إذا كانت تنطوي على مخاطر وتجاوزات كبرى للقانون والعُرف، وأترك موضوع الشرع لأصحاب الاختصاص.

في تحليل مثل هذا السلوك أطرح النقاط الثلاث التالية:

​أولاً: هل الراتب "سلعة" لتباع؟

​الرواتب التقاعدية ليست سلعاً تجارية تخضع لآليات السوق والعرض والطلب، بل هي "حقوق تأمينية" شخصية، خُصصت بقوة القانون لتأمين العيش الكريم للمتقاعد وأسرته بدلاً من الأجر الذي انقطع بانتهاء خدمته، ومقابل الاشتراكات التي قام بتأديتها لتصب في النظام التأميني. فكيف يمكن لعاقل أن يبيع حقاً حمائياً كفلته الدولة بموجب الدستور والقانون ويُحوّل وسيلة أمانه الاجتماعي إلى بضاعة تُعرَض على المقامرين؟!

​ثانياً: المتغيرات القانونية والواقعية (الراتب ليس ثابتاً ولا مؤبداً):

​من يفكّر في شراء أو بيع راتب تقاعدي يغفل عن طبيعة هذا الراتب ومستقبله ومصيره فهو ليس مبلغاً ثابتاً دائماً أبديّاً، بل هو عرضة للتغيير المستمر صعوداً وهبوطاً وفقاً لأحكام القانون، ​فاحتمالية انخفاضه قائمة، إذ قد ينخفض في حال زوال أحد شروط "زيادة الإعالة" التي تُمنح للمتقاعد عند تخصيص الراتب (كخروج أحد الأبناء المعالين من نطاق الإعالة بإنهاء دراسته أو زواجه مثلاً).

وهناك احتمالية توقفه بالكامل:، فالراتب التقاعدي مرتبط بحياة المتقاعد؛ وفي حال وفاته، قد يتوقف الراتب تماماً إذا لم يكن هناك ورثة مستحقون تتوفر فيهم شروط الاستحقاق القانونية، أو قد يؤول إلى حصص موزعة تختلف تماماً عن الراتب الأصلي. فكيف يُباع ويُشترى غيبٌ لا يملكه أحد؟

​ثالثاً: الجانب القانوني والالتزام المؤسسي:

​من الناحية القانونية الصرفة، لا يجوز بتاتاً بيع الراتب التقاعدي. فمؤسسة الضمان الاجتماعي ملتزمة التزاماً قانونياً قاطعاً بتحويل الراتب التقاعدي إلى حساب "صاحب الحق فيه" دون غيره، ولا تعترف بأي تنازلات أو بيوعات خارج إطار القانون، حتى لو كان المشتري المفترَض هو أقرب الأقربين للمتقاعد. وأي اتفاق يُبرم في هذا السياق هو اتفاق باطل بطلاناً مطلقاً ولا يعتد به أمام أي جهة رسمية.

​رسالتي وتحذيري:

إنني أوجّه رسالتي ونصيحتي الصادقة إلى جميع الإخوة متقاعدي الضمان الذين وصل عددهم التراكمي حتى تاريخه إلى ( 413 ) ألف متقاعد، وهم الذين عملوا واجتهدوا وتعبوا وخدموا الوطن لسنوات طويلة، واستحقوا هذه الرواتب لتكون صمام أمان لهم ولعائلاتهم بأن لا يلتفتوا إلى مثل هذه الأفكار أو الممارسات أو الاستغلال. فلا يفكر أحد منكم، ولو مجرد تفكير بما يسمى بيع الراتب، تحت أي ظرف، فهذا سلوك لا ينطوي إلا على فهم مغلوط بالكامل لمعنى وغاية راتب التقاعد، ومغامرة غير محسوبة العواقب، تفتح الباب على مصراعيه للنزاعات القانونية، وتهدد الاستقرار المعيشي للمتقاعد وعائلته، وتفرغ مظلة الحماية الاجتماعية من مضمونها الاجتماعي والإنساني والتشريعي.

نصيحتي لكم؛ ​احموا رواتبكم. فهي حقكم وحق أبنائكم من بعدكم، ولا تسمحوا للسماسرة والمقامرين باستغلالكم مهما بلغت بكم الحاجة أو ضغطت عليكم ظروف الحياة.

(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).

خبير التأمينات والحماية الاجتماعية

الحقوقي/ موسى الصبيحي


مواضيع قد تهمك