اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

شيرين قسوس : المسيحيون في الأردن... جذورٌ ضاربة في التاريخ، وشراكةٌ صنعت الوطن

شيرين قسوس : المسيحيون في الأردن... جذورٌ ضاربة في التاريخ، وشراكةٌ صنعت الوطن
أخبارنا :  

كتبت شيرين قسوس


في الأردن، لا تُقاس الأوطان بعدد السنين، بل بعمق الحضارة، ولا تُكتب الهوية بلونٍ واحد، بل بخيوطٍ نسجتها الأديان والثقافات والأجيال المتعاقبة. ومن بين تلك الخيوط الأصيلة، يبرز الوجود المسيحي في هذه الأرض المباركة، وجودًا يسبق قيام الدول، ويعود إلى البدايات الأولى للمسيحية، حين كانت أرض الأردن مسرحًا للأحداث الدينية والتاريخية التي غيّرت وجه الإنسانية.


من المغطس، حيث تعمّد السيد المسيح عليه السلام، إلى مأدبا بفسيفسائها الخالدة، مرورًا بأم الرصاص وجبل نيبو، لم يكن الوجود المسيحي في الأردن طارئًا أو عابرًا، بل كان امتدادًا طبيعيًا لتاريخ هذه الأرض، التي احتضنت المؤمنين على اختلاف عقائدهم، وظلت شاهدة على تعاقب الحضارات دون أن تفقد روحها.

وعندما بزغ فجر الدولة الأردنية الحديثة بقيادة الهاشميين، لم يكن المسيحيون على هامش المشهد، بل كانوا في قلب مشروع بناء الوطن. شاركوا في تأسيس مؤسسات الدولة، وأسهموا في الإدارة والتعليم والقضاء والطب والهندسة والاقتصاد والثقافة والإعلام، وكانوا وما زالوا شركاء في صياغة قصة الأردن الحديثة، يحملون مع إخوانهم المسلمين همّ الوطن ذاته، ويحلمون بالمستقبل ذاته، ويرفعون الراية نفسها.

لقد أثبت الأردنيون، مسلمين ومسيحيين، أن المواطنة ليست شعارًا يُرفع، بل ممارسةٌ يومية تُترجم في المواقف، وفي الدفاع عن الوطن، وفي الإخلاص للقيادة، وفي العمل من أجل رفعة الأردن. ولم تكن الهوية الأردنية يومًا قائمة على الانقسام الديني، بل على الانتماء الصادق لهذه الأرض، والولاء لرايتها، والإيمان بأن قوة الوطن تكمن في وحدته.

وعلى امتداد التاريخ الإسلامي، حظي المسيحيون بمكانة معروفة في المجتمعات الإسلامية، مع تفاوت الأحوال بحسب العصور والظروف السياسية. وفي الأردن تحديدًا، رسخت الدولة الحديثة نموذجًا يقوم على المواطنة، والاحترام المتبادل، وصون دور العبادة، ومشاركة الجميع في الحياة العامة، ضمن إطار الدستور والقانون.


ويُذكر القرآن الكريم السيدة مريم عليها السلام بكل تبجيل، ويصف عيسى ابن مريم عليه السلام بأنه من أولي العزم من الرسل، كما يدعو إلى الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة مع أهل الكتاب. ومن جهة أخرى، عاش المسلمون والمسيحيون في بلاد الشام قرونًا طويلة يتشاركون الأسواق، والمدارس، والأحياء، والأفراح، والأتراح، رغم ما شهدته بعض المراحل التاريخية من تحديات وصراعات كانت في كثير من الأحيان ذات أبعاد سياسية أكثر من كونها دينية.

وفي الأردن اليوم، تتجسد هذه العلاقة في صورةٍ مشرقة؛ فالمسجد يجاور الكنيسة، والأذان يلتقي مع أجراس الكنائس في مشهدٍ يعكس خصوصية هذا الوطن، حيث لا يُنظر إلى التنوع باعتباره سببًا للفرقة، بل مصدرًا للقوة والثراء الإنساني.


سيبقى الأردن وطنًا يجمع أبناءه جميعًا تحت راية واحدة، لا يفرّق بينهم دين، ولا مذهب، ولا أصل، لأن ما يجمعهم أكبر من كل الاختلافات: تاريخٌ واحد، وقيادةٌ واحدة، ومصيرٌ واحد، ومحبةٌ لا تعرف إلا اسم الأردن.

وأخيرًا أقول، كل الشكر والامتنان لكل من قرأ هذا المقال حتى نهايته، ولكل من يتحاور بأخلاقٍ رفيعة، ويحترم الرأي مهما اختلف معه. إن سعة الصدر، وحسن الخلق، والكلمة الطيبة، هي أجمل ما يزين الإنسان، وهي الطريق الأصدق لبناء مجتمعٍ متماسكٍ يليق بالأردن وأهله. حفظ الله الأردن، وحفظ أبناءه جميعًا، مسلمين ومسيحيين، وجعل وحدتهم عنوانًا دائمًا للعزة والاستقرار.


مواضيع قد تهمك