اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عاصم منصور : متلازمة بابل والذكاء الاصطناعي

د. عاصم منصور : متلازمة بابل والذكاء الاصطناعي
أخبارنا :  

تلاقى التحذير الذي أطلقه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مطلع هذا الشهر، من «سرعة تطور الذكاء الاصطناعي بوتيرة تفوق قدرة أي أحد على مواكبته»، مع تحذير آخر أطلقه البابا ليو الرابع عشر، في رسالته البابوية «الإنسانية العظيمة»، وشبه فيه مستقبل الذكاء الاصطناعي بقصة «برج بابل» التوراتي وكيف دفع الغرور البشر إلى محاولة تسلق السماء مما أدى إلى بلبلة ألسنتهم وتشتيت شملهم. محذراً من أن تركيز السلطة الرقمية بيد شركات كبرى وتحول الإنسان إلى مجرد ترس في آلة تبحث عن الكفاءة والإنتاجية.

 

هذا القلق من المسؤول الأممي والقائد الروحي هو استجابة لحالة من الهلع الصامت تجتاح أروقة الفكر والسياسة العالمية، فبين هذين التصريحين، وتحديداً في منتصف الشهر الماضي شهدت مدينة «إيفيان» الفرنسية مشهداً سريالياً خلال قمة مجموعة السبع الكبرى، حيث جلس قادة أقوى دول العالم، وجهاً لوجه مع أساطين العصر الجديد: سام ألتمان من «أوبن إيه آي»، وداريو أمودي من «أنثروبيك»، وديميس هاسابيس من «جوجل ديب مايند»، وخاضوا فيها مباحثات شاقة حول من يمتلك حق وضع القواعد والضوابط للذكاء الاصطناعي. فقادة الشركات جاءوا بمقترح يطالبون فيه بمشاركة الحكومات في وضع معايير الحوكمة، في محاولة ذكية لتفادي تبني قوانين ملزمة قد تكبح جماح أرباحهم، بينما كانت الحكومات تتخبط بين رغبتها في السيادة الرقمية وخوفها من التخلف في سباق التسلح التكنولوجي.

فالمخاوف الكبرى التي تحيط بهذا التطور الذي ما زال يفاجئنا بمواصلة الصعود الصاروخي لم تعد مجرد خيالات علمية، بل باتت مسارات واقعية، ومآلات قريبة. فنحن أمام تقنية تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، وتنذر بإلغاء ملايين الوظائف، وتعميق التفاوت الاجتماعي إلى مستويات غير مسبوقة. والأخطر من ذلك، هو دخول الذكاء الاصطناعي إلى ساحات القتال، كما عبر عن ذلك كل من غوتيريش باقتراح:» أن تفرض رقابة بشرية على الذكاء الاصطناعي في العمل العسكري» ، والبابا بقوله «لا يمكن لأي خوارزمية أن تجعل الحرب عملاً أخلاقياً».

وفي خضم هذا السباق المحموم، تبدو جهود الحوكمة العالمية أشبه بمحاولة مواجهة إعصار بشبكة صيد، فبينما أقر الاتحاد الأوروبي قانونه الخاص بالذكاء الاصطناعي، وأصدرت الصين تدابيرها المؤقتة، وفرضت الولايات المتحدة التزامات شفافية جديدة، لكنها كلها لم تعالج أساس المسألة، ليبقى الخلاف الجوهري قائماً: هل تضع الحكومات القواعد أم تتركها للشركات التي تمتلك الخوارزميات والبيانات؟ أم يقتسمان ذلك، ثم كيف يكون التفاهم مع الغرب والشرق؟، وقبل ذلك كيف يكون التفاهم بين دول الغرب بعضها مع بعض في هذه المسألة الوجودية؟

نحن إذن أمام لحظة تاريخية فارقة؛ قطار سريع ينطلق بلا مكابح، وركاب يتجادلون حول من يمسك بعجلة القيادة، وبينما تراكم شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى القوة والثروة، يقف العالم مشدوها بهذا التطور، ولاهثا ليفهم ما يجري وكيف سينعكس على حياته ومستقبل أبنائه.

والسؤال الذي لا يملك أحد أن يجيب عليه: هل تنجح البشرية في استعادة سيادتها على ما صنعته يداها، أم أننا سنستيقظ يوماً لنجد أننا أصبحنا مجرد بيانات في خوارزميات كبرى ربما لم تتدرب على الرحمة؟

ــ الغد


مواضيع قد تهمك