د. عامر سبايلة : مرحلة جديدة من المواجهة مع إيران
يشير انتقال الرئيس دونالد ترامب إلى توسيع نطاق الضربات المباشرة داخل الأراضي الإيرانية، واستهداف مواقع متعددة بصورة متدرجة، إلى تحول مهم في طبيعة المواجهة مع إيران. فمن جهة، يعكس هذا المسار العودة إلى إستراتيجية "المفاوضات تحت النار"، التي تقوم على توظيف التصعيد العسكري لتعزيز الموقف التفاوضي وفرض وقائع جديدة على الأرض، ومن جهة أخرى، يكشف عن تحول أعمق في طريقة إدارة الصراع مع إيران.
فاستهداف المناطق الساحلية، والقطعات العسكرية، ومراكز الإسناد، والموانئ المطلة على الخليج العربي، لا يقتصر على ممارسة الضغط السياسي، بل يندرج ضمن محاولة لاحتواء القدرات الإيرانية وتقليص قدرتها على تهديد الملاحة الدولية أو استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إقليمية ودولية.
وفي المقابل، فإن توسيع الضربات نحو العمق الإيراني، لتشمل تدريجياً البنية التحتية وطرق النقل ومراكز الدعم اللوجستي، يعكس تغيراً في قواعد الاشتباك. فما كان يُعد خارج نطاق الاستهداف في المراحل الأولى أصبح يدخل تدريجياً ضمن بنك الأهداف، بما يهدف إلى رفع كلفة استمرار المواجهة ونقل جزء متزايد من أعبائها إلى الداخل الإيراني.
كما أن توزع الضربات بين الجنوب والأحواز ولورستان وكردستان يوحي بأن العمليات لا تستهدف القدرات العسكرية المباشرة فحسب، بل تسعى أيضاً إلى إضعاف الترابط اللوجستي بين الأطراف والمركز، عبر تعطيل خطوط الإمداد والاتصال، بما يحد من قدرة القوات الإيرانية على المناورة وإعادة الانتشار.
وتشير هذه التطورات إلى انتقال تدريجي من سياسة الردع المحدود إلى إستراتيجية تهدف إلى نقل مركز الأزمة إلى الداخل الإيراني، بما قد ينعكس على توازنات القوى داخل الدولة ويؤثر في قدرة مؤسساتها على إدارة الصراع، خصوصاً في ظل تعدد مراكز القوة وتعقيد عملية اتخاذ القرار.
في المقابل، تبدو الخيارات الإيرانية، وفق هذه القراءة، محصورة في مسارين رئيسيين: الأول، مواصلة التصعيد في الممرات البحرية، سواء عبر باب المندب بواسطة الحوثيين أو من خلال التهديد بإغلاق مضيق هرمز؛ والثاني، توسيع دائرة التوتر الإقليمي عبر دفع دول الخليج إلى الانخراط بصورة مباشرة في المواجهة. غير أن فعالية هذين الخيارين تبدو آخذة في التراجع، إذ إن أمن الملاحة يمثل مصلحة دولية يصعب السماح بتهديدها لفترة طويلة، كما أن قدرة دول الخليج على احتواء الضغوط الأمنية تقلل تدريجياً من فاعلية أدوات الضغط الإيرانية.
ولا تبدو التحركات الأمريكية مقتصرة على الساحة الإيرانية وحدها، بل تمتد إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بها، من خلال تضييق الخناق على شبكات التمويل والإسناد المرتبطة بحلفاء إيران، والتشدد في التعامل مع مسارات نقل السلاح بين العراق وسوريا، في إطار إستراتيجية تستهدف تقليص هامش حركة الوكلاء الإقليميين وعزل إيران عن امتداداتها اللوجستية.
وبذلك، يتشكل مشهد يقوم على ثلاثة مسارات متوازية: إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وتقليص شبكة الحلفاء والوكلاء الإقليميين، ونقل مركز الضغوط إلى الداخل الإيراني. وإذا استمر هذا النهج، فقد تمثل المرحلة الحالية تمهيداً لمرحلة أكثر اتساعاً في إدارة الصراع، تتجاوز استهداف القدرات العسكرية إلى إعادة تشكيل موازين القوة والبيئة الإستراتيجية المحيطة بإيران.
ــ الغد