اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. خالد الشقران : استقرار صنعته قوة الدولة

د. خالد الشقران : استقرار صنعته قوة الدولة
أخبارنا :  

تكشف الأزمات القيمة الحقيقية للدولة، وتختبر كفاءة مؤسساتها، وقدرتها على حماية سيادتها والمحافظة على استقرارها، فهناك دول تستهلكها الأزمات، وأخرى تحول الأزمات إلى مصدر قوة. وفي هذا الإطار قدم الأردن على امتداد العقود الماضية نموذجا لدولة استطاعت حماية استقرارها في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية اضطرابا، حيث خاض اختبارات متلاحقة فرضتها الأزمات العديدة والمستمرة التي شهدتها المنطقة، وخرج منها أكثر خبرة وتماسكا، مستندا إلى مؤسسات قوية، وقيادة تمتلك رؤية استراتيجية، ومنظومة أمنية وعسكرية عالية الكفاءة، واليوم، يواصل الأردن تأكيد هذه المعادلة، بوصفه دولة نجحت في تحويل موقعها الجيوسياسي الحساس إلى عنصر قوة، وفي ترسيخ الاستقرار كأحد أهم مرتكزات أمنها الوطني ودورها الإقليمي.

 

ويكتسب هذا النموذج أهمية خاصة إذا ما قورن بما شهدته المنطقة من انهيارات مؤسساتية، وتراجع في قدرة بعض الدول على إدارة الأزمات، واتساع دائرة الصراعات العابرة للحدود، وفي المقابل، واصل الأردن تطوير قدراته العسكرية والأمنية، وتعزيز كفاءة مؤسساته، والاستثمار في منظومات الإنذار والاستجابة، بما وفر للدولة قدرة كبيرة على حماية أمنها الوطني والمحافظة على استقرارها.

وقد مرت المملكة بمحطات شديدة التعقيد، بدءا من تداعيات الحروب الإقليمية، مرورا بالأزمة السورية وما رافقها من تحديات أمنية وإنسانية، ووصولا إلى التهديدات المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب والتطورات العسكرية التي فرضتها الصواريخ والطائرات المسيرة، وفي كل تلك المراحل، حافظت على توازن مؤسساتها، واستمرت في أداء دورها الإقليمي، دون أن تفقد قدرتها على حماية حدودها أو المحافظة على أمنها الداخلي.

وتؤكد الاعتداءات الإيرانية الأخيرة أن المنطقة دخلت مرحلة اتسعت فيها دائرة المخاطر، وتعددت فيها مصادر التهديد، وفي الوقت نفسه، كشفت هذه الاعتداءات زيف الادعاءات التي حاولت إيران تبريرها تحت ذرائع واهية، بعدما أثبتت الوقائع أن الاستهداف طال أراضي دول ذات سيادة، في مخالفة صريحة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، الأمر الذي عزز القناعة بأن أمن الدول لا يمكن أن يخضع لمبررات سياسية أو عسكرية تفتقر إلى أي أساس قانوني.

وتبرز أهمية التجربة الأردنية في قدرتها على التعامل مع هذه التحولات دون انفعال أو ارتباك، من خلال منظومة مؤسسية تمتلك الخبرة والكفاءة، وقوات مسلحة وأجهزة أمنية تتمتع بدرجة عالية من الاحتراف، وقيادة تنظر إلى الأمن الوطني باعتباره عملية مستمرة تستند إلى التخطيط والاستعداد والتطوير، وليس إلى ردود الأفعال.

كما فرضت التحولات الإقليمية مفهوما جديدا للقوة، يرتبط بقدرة الدولة على حماية حدودها، وتأمين مجالها الجوي، وصون بنيتها التحتية، وضمان استمرار عمل مؤسساتها، والمحافظة على استقرار اقتصادها في مختلف الظروف. وقد أثبت الأردن خلال السنوات الماضية امتلاكه لهذه المقومات، وهو ما تجسد في قدرته على تجاوز الأزمات المتعاقبة دون أن يفقد توازنه أو تتراجع كفاءة مؤسساته.

ويحظى الأردن أيضا بموقع جيوسياسي يمنحه دورا محوريا في استقرار المنطقة، سواء من خلال ارتباطه بالممرات التجارية وشبكات النقل والطاقة، أو عبر دوره السياسي في دعم الأمن الإقليمي. ولهذا، فإن استقرار المملكة لا يمثل مصلحة وطنية فحسب، وإنما يشكل أحد عناصر الاستقرار في محيطها العربي والإقليمي، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بالحفاظ على أمن الأردن واستقراره.

لقد أثبتت التجارب أن الدول القادرة على الصمود ليست تلك التي تنجو من الأزمات، وإنما تلك التي تحول الأزمات إلى فرص لتعزيز قدراتها وتطوير مؤسساتها. وقد نجح الأردن في ترسيخ هذه المعادلة عبر عقود طويلة، حتى أصبح يمتلك خبرة مؤسسية واسعة في إدارة المخاطر، والتعامل مع المتغيرات، والمحافظة على تماسك الدولة في أصعب الظروف.

في المحصلة، وعلى الرغم من خطورة ما يحدث في المنطقة، يثبت الأردن مجددا قدرته على تقديم نموذج للدولة التي بنت استقرارها بإرادتها، ورسخت أمنها بقوة مؤسساتها، وعززت مكانتها برؤية استراتيجية بعيدة المدى. ولهذا، فإن أي تحدٍّ جديد يضاف إلى سجل طويل من الأزمات التي تجاوزتها المملكة بثقة، مستندة إلى دولة تعرف كيف تحمي سيادتها، وكيف تحافظ على استقرارها، وكيف تواصل أداء دورها في محيط إقليمي سريع التحول.

ــ الراي


مواضيع قد تهمك