"حزب الصراصير".. من إهانة إلى حركة تؤرق الهند
لم يكن نقل الناشط الهندي البارز سونام وانغتشوك إلى أحد مستشفيات نيودلهي، بعد تدهور حالته الصحية إثر إضراب عن الطعام استمر 21 يوماً، مجرد إجراء طبي، بل تحول إلى أحدث فصول المواجهة بين السلطات الهندية وحركة شبابية أثارت جدلًا واسعًا خلال الأشهر الأخيرة.
وانغتشوك، المعروف بنشاطه في قضايا التعليم والبيئة، دخل في إضراب مفتوح عن الطعام منذ 28 يونيو تضامنًا مع حركة "Cockroach Janta Party"، أو ما بات يعرف إعلاميًا ب"حركة الصراصير"، التي تطالب باستقالة وزير التعليم الهندي دارمندرا برادان، بعد فضيحة تسريب امتحانات القبول الجامعي التي مست ملايين الطلاب في مايو الماضي.
أبهيجيت ديب كي، رئيس حزب الصراصير (رويترز)
وقالت شرطة نيودلهي إن نقل وانغتشوك إلى المستشفى جاء تنفيذًا لتوصيات طبية وقرار من المحكمة العليا في دلهي بمتابعة حالته الصحية والتدخل عند الضرورة، بينما اتهم قادة الحركة السلطات باقتياده قسرًا لإنهاء الاحتجاج. وفي المقابل، أعلن مؤسس الحركة أبهيجيت ديبكي بدء إضراب مفتوح عن الطعام، مع الإبقاء على الدعوة لتنظيم مسيرة إلى البرلمان خلال انعقاد دورته الجديدة.وفق ما أفادت به وكالة (رويترز)
سونام وانغتشوك (رويترز)
إهانة "الصراصير"
ورغم الاسم اللافت، فإن Cockroach Janta Party ليست حزبًا سياسيًا مسجلًا، وإنما حركة احتجاج شبابية ظهرت في مايو الماضي، واتخذت من "الصرصور" رمزًا لها على سبيل السخرية والاحتجاج.
وجاء الاسم بعدما وصف أحد كبار قضاة المحكمة العليا في الهند الشباب العاطلين والغاضبين من أوضاعهم بـ"الصراصير"، في تعليق أثار موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي. وبدلًا من رفض الوصف، قرر عدد من الشباب تبنيه وتحويله إلى شعار للاحتجاج، معتبرين أن الصرصور يرمز إلى القدرة على البقاء والصمود رغم كل محاولات القضاء عليه، وفق ما أفادت به وكالة "أسوشيتد برس".
وخلال أيام قليلة، تحولت الفكرة من حملة ساخرة على الإنترنت إلى حركة حقيقية يقودها الباحث الشاب أبهيجيت ديبكي، الذي استطاع جذب ملايين المتابعين عبر منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تنتقل الاحتجاجات إلى الشارع.
حزب الصراصير - نيودلهي (رويترز)
غضب بدأ من الامتحانات
وجاءت الشرارة الرئيسية للحركة بعد أزمة غير مسبوقة هزت نظام التعليم الهندي، إثر تسريب أسئلة عدد من الامتحانات الوطنية، وعلى رأسها امتحان NEET، وهو اختبار القبول في كليات الطب الذي يتنافس فيه ملايين الطلاب سنويًا.
وأدى التسريب إلى إلغاء بعض الاختبارات وفتح تحقيقات واسعة، بينما أثارت القضية غضبًا بين الطلاب وأسرهم، خصوصًا بعد ورود تقارير عن حالات انتحار لطلاب ارتبطت بالضغوط النفسية والأزمة التي فجرتها الامتحانات. ومنذ ذلك الحين، رفعت الحركة شعار إصلاح منظومة التعليم، ومحاسبة المسؤولين، والمطالبة باستقالة وزير التعليم.
حزب الصراصير - نيودلهي (رويترز)
لماذا تؤرق حكومة مودي؟
ورغم أن الحركة لا تمتلك تمثيلًا برلمانيًا ولا تعد حزبًا رسميًا، فإن مراقبين يرون أنها تمثل مصدر إزعاج حقيقي لحكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي لعدة أسباب، أولها أنها نجحت في استقطاب شريحة واسعة من الشباب، وهي الفئة التي تمثل القوة الأكبر في المجتمع الهندي، مستفيدة من حالة الإحباط المرتبطة بالبطالة وارتفاع حدة المنافسة على الوظائف والجامعات.
كما اعتمدت الحركة على وسائل التواصل الاجتماعي بدلًا من الهياكل الحزبية التقليدية، ما منحها قدرة كبيرة على الوصول إلى الشباب بسرعة، وحولها إلى ظاهرة يصعب احتواؤها بالأساليب السياسية المعتادة. وتشير تقارير إلى أن حساباتها جذبت عشرات الملايين من المتابعين خلال فترة قصيرة، ما جعلها من أسرع الحركات نموًا على المنصات الرقمية في الهند.
ويرى متابعون أن الحركة استطاعت أيضًا توحيد قضايا متفرقة تحت مظلة واحدة، فلم تعد تقتصر على الاعتراض على تسريب الامتحانات، بل أصبحت تعبر عن غضب أوسع يتعلق بالبطالة، والفساد، ومستقبل الشباب، والعدالة الاجتماعية، وهو ما منحها زخمًا يتجاوز مطالبها الأولى، وفق ما نقلته وكالة "أسوشيتد برس"
حزب الصراصير - نيودلهي (رويترز)
من السخرية إلى الضغط السياسي
ومع استمرار الاحتجاجات، تحولت الحركة من حملة ساخرة على الإنترنت إلى اعتصامات وإضرابات عن الطعام في قلب نيودلهي، كان أبرزها إضراب سونام وانغتشوك، الذي جذب اهتمامًا واسعًا داخل الهند وخارجها.
ورغم أن الحكومة تؤكد أن الإجراءات التي اتخذتها جاءت حفاظًا على سلامة المحتجين، فإن الحركة تعتبر أن تجاهل مطالبها يعكس غياب الاستجابة لأزمة تمس ملايين الطلاب والشباب. وفي ظل الدعوات إلى تنظيم مسيرة جديدة نحو البرلمان، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد، لتبقى "حركة الصراصير" واحدة من أكثر الظواهر السياسية والشبابية إثارة للانتباه في الهند خلال العام الحالي.