أ. د. مصطفى محمد عيروط : هل الثورة الإدارية البيضاء عالميا ... الطريق إلى دولة الإنجاز وثقة المواطن؟
لم يعد العالم كما كان. فالتطور التكنولوجي الهائل، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وارتفاع مستوى الوعي التعليمي والثقافي، جعلت من كل مواطن ناقلاً للمعلومة ومؤثراً في الرأي العام خلال ثوانٍ معدودة. لقد أصبح الهاتف الذكي قوة ناعمة قادرة على كشف الإنجازات كما تكشف الإخفاقات، وأصبح الإعلام التقليدي شريكاً في المشهد بعد أن كان اللاعب الوحيد.
وفي ظل هذا الواقع الجديد، فإن الدول التي تسابق الزمن نحو التنمية والازدهار لا تملك ترف التأخير في الإصلاح الإداري، لأن الإدارة هي التي تقود التنمية، وهي التي تصنع ثقة المواطن والمستثمر، وهي التي تحول الخطط إلى إنجازات ملموسة.
إن الثورة الإدارية البيضاء ليست شعارات، ولا تصفية حسابات، ولا تغييرات شكلية، بل هي عملية إصلاح شاملة وهادئة تقوم على تشخيص المشكلات بدقة، ثم اختيار أصحاب الكفاءة والخبرة والتأهيل والقدرة على الإنجاز، بعض النظر عن الأصل والمنبت والجنس واعتماد التقييم المستمر والمساءلة والشفافية، بحيث يبقى في موقع المسؤولية من يحقق النتائج، ويغادرها من يعجز عن الإنجاز.
فالمسؤول عالميا الذي لا ينجز... لماذا يبقى؟
والمسؤول عالميا الذي يستفز الناس بتصرفاته أو قراراته... لماذا يبقى؟
والمسؤول عالميا الذي يحول المؤسسة إلى مزرعة للمحسوبية والشللية والواسطة والمصالح الشخصية... لماذا يبقى؟
والمسؤول عالميا الذي يثبت عليه أي فساد، أو تقصير جسيم، أو إساءة لاستغلال المنصب... لماذا لا يُحال فوراً إلى القضاء؟
والمسؤول في العالم الذي ينشغل بالسفر- كالسندباد الذي قد يكون قد وصل إلى موقعه بالواسطه والمحسوبية - والمؤتمرات وتوقيع اتفاقيات قد لا تتابع وانما للاعلام - والظهور الإعلامي أكثر من انشغاله بالعمل الميداني... لماذا يبقى في موقعه؟
إن الإدارة ليست امتيازاً، بل مسؤولية، وليست وجاهة اجتماعية، بل تكليف لخدمة الوطن والمواطن.في اي مكان عالميا
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الأمم التي حققت قفزات اقتصادية وتعليمية وإدارية اعتمدت على الكفاءة والإنجاز، بعيداً عن الأصل أو المنبت أو العلاقات الشخصية والقرابه والمنطقه . فالنجاح لا يعرف إلا لغة العمل والإبداع والإنتاج.
وفي القطاع الخاص في العالم ، لا يبقى الموظف الذي لا ينتج، لأن المنافسة لا ترحم، والتقييم مستمر، والهدف هو تحقيق أفضل النتائج. ولذلك فإن القطاع العام في أي مكان عالميا ، إذا أراد أن يواكب العصر، يحتاج إلى ثقافة الإنجاز نفسها، مع مراعاة طبيعة الخدمة العامة ومقتضيات العدالة والشفافية.
إن تأخير الإصلاح الإداري في أي مؤسسة عامه وخاصه تعاني الترهل يفاقم المشكلات، ويضعف ثقة المواطنين، ويزيد التندر والتشكيك والبحث عمن يتحدث بهموم الناس اينما وجد ، ويمنح أصحاب الأجندات الهدامة -الظلاميون والاقصائيون- فرصة لاستغلال معاناة الناس، ولا سيما فئة الشباب، عبر تضخيم السلبيات وإثارة الإحباط والفوضى.
الثورة الإدارية البيضاء في العالم ليست خياراً ثانوياً، بل ضرورة وطنية واستراتيجية، لأنها تعني تجديد الدماء، وتمكين الكفاءات، وترسيخ ثقافة الإنجاز، وحماية المال العام، وتعزيز ثقة المواطن، وتحقيق التنمية المستدامة
.
فالإدارة الناجحة هي التي تسبق المشكلات، لا التي تنتظر تفاقمها، والدول القوية هي التي تتخذ القرار في الوقت المناسب، لأن بناء الأوطان يبدأ دائماً بإدارة كفؤة، عادلة، نزيهة، تؤمن بأن الكرسي مسؤولية، وأن بقاء المسؤول مرهون بما يحققه من إنجاز للوطن والمواطن.
مصطفى محمد عيروط