الرأس الأحمر في الأغوار الشمالية.. الاحتلال يدمر المياه والزراعة
الضفة الغربية – : يسبق هدير الجرافات الإسرائيلية وصولها إلى تجمع الرأس الأحمر، شرقي بلدة طمون في محافظة طوباس، تاركا وراءه أرضا مجرفة، وخطوط مياه مقطوعة، وسكانا يعيشون على وقع الخوف من اعتداء جديد قد يطال منازلهم أو مواشيهم أو مصدر رزقهم مرة أخرى. ففي هذا التجمع البدوي، الذي يقطنه نحو 300 فلسطيني ينتمون إلى 22 عائلة، نصفهم من الأطفال، باتت تفاصيل الحياة اليومية مرهونة بسياسة تضييق متصاعدة، يقول الأهالي إنها تستهدف اقتلاعهم من أرضهم ودفعهم إلى الرحيل.
تصعيد يستهدف المياه والزراعة
وخلال الأيام الأخيرة، صعد الاحتلال إجراءاته في المنطقة، بعدما شرعت جرافاته في تدمير خطوط المياه الناقلة إلى الأراضي الزراعية في سهل البقيعة شرق عاطوف، مرورا بالمناطق المعروفة بالمعيار والطوال والثعلة ودباب الهوش والرأس الأحمر، كما اقتلعت أكثر من 300 شجرة زيتون وعنب وأشجار مثمرة أخرى، ما أدى إلى قطع المياه عن أراض زراعية تمتد على نحو 45 ألف دونم، في وقت لا تزال فيه عمليات التجريف مستمرة، وسط أوضاع إنسانية صعبة يعيشها المزارعون والعائلات المقيمة في المنطقة.
وقال الناشط الميداني ثائر بشارات، في حديث لـ «القدس العربي»، إنه يتابع أوضاع التجمعات البدوية والرعوية في الأغوار، مؤكدا أن ما يجري في الرأس الأحمر «ليس سلسلة اعتداءات متفرقة، وإنما خطة متكاملة لإفراغ المنطقة من سكانها».
وأضاف أن قوات الاحتلال والمستوطنين يواصلون استهداف التجمع عبر طرد الرعاة من المراعي، وتخريب خطوط المياه، والاستيلاء على الجرارات الزراعية، وإغلاق الطرق الزراعية، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، إلى جانب تنفيذ تدريبات عسكرية متكررة قرب مساكن المواطنين، بهدف جعل الحياة مستحيلة ودفع الأهالي إلى الرحيل.
وأكد أن الاعتداءات الأخيرة جاءت ضمن سياسة متصاعدة تستهدف مقومات الحياة الأساسية، وفي مقدمتها المياه والزراعة والرعي، وهي مصادر الرزق الرئيسية لسكان المنطقة.
حياة يومية تحت الحصار
وقال المواطن رامي مساعيد، أحد سكان تجمع الرأس الأحمر، في حديث لـ «القدس العربي»، إن معاناة عائلته مع التهجير لم تبدأ اليوم، بل منذ سنوات، بعدما أجبرت على مغادرة خربة يارزا بفعل اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، قبل أن تستقر في الرأس الأحمر، حيث تكررت المعاناة من جديد.
وأضاف أن أي محاولة لبناء مسكن أو منشأة تقابل بالهدم أو المصادرة، فيما تواصل الجرافات شق طرق عسكرية قطعت الطرق الزراعية وخطوط المياه، حتى أصبحت المنطقة شبه معزولة.
وأكد مساعيد أن المستوطنين، بحماية قوات الاحتلال، يهاجمون السكان بصورة متكررة، ويعتدون على منازلهم وممتلكاتهم، فيما يخشى الأهالي الدفاع عن أنفسهم بسبب استخدام المستوطنين السلاح ووجود الجيش إلى جانبهم.
وقال: «إذا حاولت أن تدافع عن نفسك أو حتى توثق الاعتداء، يحضر الجيش والشرطة، بينما يترك المستوطن ليفعل ما يشاء».
وأشار إلى أن تدمير خطوط المياه أجبر الأهالي على نقل المياه ليلا بواسطة الجرارات الزراعية من مسافات بعيدة، قبل أن تغلق الطرق المؤدية إلى التجمع بشكل شبه كامل، ما جعل الوصول إلى المياه مهمة شاقة ومحفوفة بالمخاطر.
وأضاف أن نقص المياه لم يعد يهدد السكان فقط، بل يهدد أيضا مواشيهم التي تشكل مصدر رزقهم الأساسي، مؤكدا أن «الماء اليوم هو أكبر احتياجاتنا، فلا الإنسان يستطيع العيش من دونه، ولا الأغنام».
وقال مسؤول ملف الأغوار في «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان»، معتز بشارات، في تصريح لـ «القدس العربي»، إن ما يجري في الرأس الأحمر يمثل «نكبة جديدة» بحق الفلسطينيين، مؤكدا أن الاحتلال يحاصر التجمع بشكل كامل بعد إغلاق الطرق وقطع مصادر المياه ومنع السكان من الحركة. وأضاف أن عائلات داخل التجمع أصبحت محاصرة، فيما لم يتبق لدى بعضها سوى كميات محدودة جدا من المياه والغذاء، إضافة إلى معاناة مربي المواشي الذين باتوا يفتقرون إلى الأعلاف والمياه، معتبرا أن الاحتلال «يعاقب الإنسان والحيوان والشجر في آن واحد».
وأكد أن استهداف الرأس الأحمر لا يرتبط بادعاءات إسرائيلية تتعلق بالمناطق العسكرية، بل يأتي في إطار خطة للسيطرة على واحدة من أهم المناطق الزراعية في الأغوار الشمالية.
وأشار إلى أن المنطقة تمثل جزءا من «السلة الغذائية الفلسطينية»، إذ تضم، بحسب قوله، أكثر من 1600 دونم مزروعة بالعنب، ونحو 2500 دونم من الموز، إضافة إلى أكثر من 2300 دونم مزروعة بالزيتون، إلى جانب آلاف الدونمات المزروعة بالخضروات والمحاصيل الحقلية والأعشاب الطبية، وهي منتجات تغذي الأسواق الفلسطينية، ويصدر جزء منها إلى الخارج.
وأضاف بشارات أن الاحتلال يسعى إلى السيطرة على هذه الأراضي وربطها بالمستوطنات والطرق الاستيطانية، موضحا أن الأغوار تشكل نحو 28.5% من مساحة الضفة الغربية، وتمثل، بحسب وصفه، الخزان المائي والحدود الطبيعية للدولة الفلسطينية المستقبلية، وهو ما يجعلها هدفا رئيسيا للمشروع الاستيطاني. وأشار إلى أن وتيرة التوسع الاستيطاني تسارعت بصورة كبيرة، قائلا إن الاحتلال أقام، بحسب معطيات أوردها، أكثر من 185 بؤرة استيطانية جديدة منذ عام 2023، بينها 130 بؤرة رعوية، باتت تسيطر على ما يزيد على مليون و75 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية، أي ما يعادل نحو 18% من مساحتها.
وحذر من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى مزيد من عمليات التهجير، مشيرا إلى أن 52 تجمعا فلسطينيا في الأغوار تعرضت للتهجير، فيما شهد النصف الأول من عام 2026 تهجير 13 تجمعا إضافيا، بينما تقلص عدد السكان في العديد من التجمعات الأخرى إلى عائلة أو عائلتين فقط نتيجة اعتداءات المستوطنين والجيش.
وأضاف أن الهدف النهائي، بحسب تقديره، هو إفراغ الأغوار من سكانها الفلسطينيين وفرض سيطرة إسرائيلية كاملة عليها، بما يمنع أي تواصل جغرافي للدولة الفلسطينية مستقبلا.
مشروع استيطاني طويل الأمد
وقال مساعد رئيس «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان» ومدير منطقة الوسط، صلاح الخواجا، ردا على أسئلة «القدس العربي»، إن ما تشهده منطقة الرأس الأحمر ليس حدثا معزولا، وإنما يأتي ضمن سياسة إسرائيلية تستهدف مجمل المناطق المصنفة (ج)، ولا سيما التجمعات البدوية والريفية المحاذية للمستوطنات والطرق الالتفافية.
وأوضح أن محافظة طوباس، بوصفها جزءا من الأغوار الفلسطينية، تمثل أحد أهم ركائز الأمن الغذائي الفلسطيني، نظرا لما تضمه من مساحات زراعية واسعة ومخزون مائي كبير، الأمر الذي يجعلها هدفا دائما لسياسات المصادرة والاستيطان.
وأضاف أن استهداف الرأس الأحمر بدأ، حسب الهيئة، عبر الإعلان عن مصادرة آلاف الدونمات بحجة إنشاء طريق ذي دوافع أمنية، قبل أن يتحول المشروع إلى وسيلة لفصل عشرات آلاف الدونمات الزراعية عن أصحابها، وربط المنطقة بالمشروع الاستيطاني.
وقال الخواجا إن الهيئة خاضت معارك قانونية أمام المحاكم الإسرائيلية لمحاولة وقف قرارات المصادرة، وتمكنت من تجميد بعضها، إلا أن قرارات أخرى منحت الضوء الأخضر لاستكمال المشروع، وهو ما استغلته سلطات الاحتلال خلال الفترة الأخيرة لاستئناف أعمال التجريف وشق الطرق. وأضاف أن الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية شهدت تصاعدا غير مسبوق، مشيرا إلى أن الهيئة وثقت، بحسب معطياتها، 11 ألفا و654 اعتداء خلال النصف الأول من العام الجاري، كما أشار إلى إصدار 114 أمرا عسكريا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، شملت أوامر مصادرة واستيلاء على الأراضي في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
ويرى الخواجا أن ما يجري اليوم يمثل امتدادا لمشروع استيطاني طويل الأمد يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وتحويل الضفة الغربية إلى مناطق معزولة، مع التركيز على الأغوار التي تشكل، حسب قوله، نحو 29% من مساحة الضفة الغربية.
وحذر من أن استمرار سياسة التهجير القسري سيؤدي إلى تفريغ المزيد من التجمعات الفلسطينية، مشيرا إلى أن عشرات التجمعات البدوية أجبرت خلال السنوات الأخيرة على مغادرة أماكن سكنها نتيجة اعتداءات المستوطنين وإجراءات الاحتلال، بينما تعيش تجمعات أخرى تحت تهديد المصير ذاته.
وأكد أن الهيئة تواصل متابعة قضايا المواطنين قانونيا، وتوفير الدعم الممكن للأهالي، بالتعاون مع مؤسسات حقوقية محلية ودولية، إلى جانب توثيق الانتهاكات ورفعها إلى الجهات المختصة، في محاولة لوقف سياسة المصادرة والتهجير.
وشدد الخواجا على أن حماية التجمعات الفلسطينية في الأغوار لا تقتصر على المسار القانوني، وإنما تتطلب أيضا تعزيز صمود السكان، ودعمهم اقتصاديا وزراعيا، وتوفير الخدمات الأساسية التي تمكنهم من البقاء في أراضيهم، معتبرا أن مسؤولية حماية هذه المناطق تقع على عاتق المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني، إلى جانب المجتمع الدولي.
التشبث بالأرض رغم الحصار
ويختتم مساعيد حديثه بالتأكيد أن أهالي الرأس الأحمر لا يملكون مكانا آخر يذهبون إليه، وأن كل ما يطالبون به هو إعادة المياه، وفتح الطرق، ووقف الاعتداءات التي تستهدف تهجيرهم، قائلا: «يريدون الأرض بلا ناس، لكننا باقون فيها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا».
ورغم شح المياه، وإغلاق الطرق، وتواصل عمليات التجريف، يصر سكان الرأس الأحمر على البقاء في أرضهم، متمسكين بما تبقى من منازلهم وحقولهم ومواشيهم، في مواجهة سياسة يرون أنها تستهدف وجودهم قبل أي شيء آخر.
وبينما تواصل الجرافات تغيير ملامح الأرض، ويواصل المستوطنون اعتداءاتهم على المزارعين والرعاة، تبقى الرأس الأحمر شاهدة على معركة يومية يخوضها الفلسطينيون للحفاظ على وجودهم في الأغوار الشمالية، حيث تحولت المياه والأرض والزراعة إلى أدوات صراع، وبات البقاء في المكان شكلا من أشكال المقاومة اليومية في مواجهة مشاريع المصادرة والتهجير.
ـ «القدس العربي»