فراس النعسان: دمشق كما رآها ماكرون
ليس من السهل فصل زيارة إيمانويل ماكرون إلى دمشق عن توقيتها. كما أن الصور ليست أقل أهمية من الكلمات التي قيلت أثناء الزيارة. فالسياسة تتغذى على التفاصيل، ومكان اللقاء الرئيس في الحدث كان جزءًا من سياسة الزيارة.
اختار الرئيس الفرنسي أن يقف في قصر الشعب. لم يكن يبحث عن خلفية جميلة للكاميرات، بل عن عنوان واضح للزيارة. من هذا المكان، أراد أن يقول إن فرنسا قررت أن تتعامل مع السلطة السورية كما هي، لا كما كانت تتمنى أن تكون. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها.
لسنوات، كانت أوروبا تتحدث عن سوريا من الخارج. تراقب، وتدين، وتفرض العقوبات، وتنتظر تبدلًا في المشهد. لكن السنوات مضت، وتغيرت المنطقة أكثر مما تغيرت السياسة الأوروبية. اليوم، تبدو باريس وكأنها توصل إلى قناعة بسيطة: لا يمكن ترك سوريا خارج الحسابات إلى ما لا نهاية.
لم يحمل ماكرون معه اعترافًا مجانيًا، ولم يحمل أيضًا قائمة شروط جديدة. جاء بلغة مختلفة. تحدث عن إعادة الإعمار، وعن الاقتصاد، وعن الاستقرار، ثم عاد إلى الحديث عن الحقوق والحريات والتعددية. بدا وكأنه يحاول الجمع بين الواقعية السياسية والموقف المبدئي، وهي معادلة ليست سهلة في الشرق الأوسط.
الزيارة قالت شيئًا آخر أيضًا. فرنسا لا تريد أن تصل متأخرة. فهناك لاعبون يتحركون بسرعة داخل سوريا، ولكل منهم حساباته ومصالحه. وعندما تبدأ مرحلة إعادة البناء، لن يكون السؤال من يملك الموقف السياسي الأفضل، بل من يملك الحضور الاقتصادي الأكبر.
لهذا، لم يكن حديث الاستثمار تفصيلًا. إنه جزء من المنافسة على المستقبل. الشركات تفتح الطريق أمام السياسة أحيانًا، كما تفتح السياسة الطريق أمام الشركات.
في دمشق، كان أحمد الشرع يحتاج إلى هذه الزيارة بقدر ما كانت باريس تحتاج إليها. سوريا تريد كسر ما تبقى من عزلتها، وفرنسا تريد أن تثبت أنها ما زالت لاعبًا في الشرق الأوسط، رغم كل ما تبدل في السنوات الأخيرة.
لكن الأهم من الزيارة نفسها هو ما يمكن أن يأتي بعدها. هل ستتبعها عواصم أوروبية أخرى؟ وهل يتحول الانفتاح الفرنسي إلى سياسة أوروبية أوسع؟ أم أن باريس اختارت أن تتحرك وحدها قبل الآخرين؟
هذه الأسئلة أهم من تفاصيل البروتوكول. فالعلاقات الدولية لا تتغير بخطاب واحد، لكنها تبدأ أحيانًا بخطوة واحدة.
ماكرون لم يذهب إلى دمشق ليقرأ الماضي. ذهب لأنه يرى أن الملف السوري دخل مرحلة جديدة، وأن فرنسا تريد مكانًا لها فيها.
وهذا، في النهاية، هو جوهر الزيارة. ليس ما قيل في قصر الشعب، بل ما أرادت باريس أن يُفهم من الوقوف فيه.
ــ الدستور