د. يوسف منصور : هل الدين العام عبء على الأجيال أم استثمار في مستقبلها؟
من أكثر النظريات تأثيراً في الاقتصاد الكلي خلال العقود الخمسة الماضية ما يعرف بـ نظرية "التكافؤ الريكاردي"، التي أعاد الاقتصادي روبرت باو صياغتها عام 1974 انطلاقاً من فكرة طرحها قبل ذلك بقرن ونصف تقريباً دافيد ريكاردو وتقوم النظرية على فكرة تبدو بسيطة لكنها ذات آثار عميقة: إذا اقترضت الحكومة اليوم بدلاً من فرض الضرائب، فإن المواطنين سيدركون أن هذا الدين سيترتب عليه ضرائب أعلى في المستقبل، فيزيدون ادخارهم منذ الآن، وبالتالي يختفي الأثر التحفيزي للدين العام، ويصبح الاقتراض والضرائب وجهين لعملة واحدة.
وقد أثرت هذه الفكرة في الفكر المالي الحديث، وأصبحت أحد الأسس التي يستند إليها دعاة الانضباط المالي وتقليص الاقتراض الحكومي. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تنطبق هذه النظرية فعلاً على الاقتصادات الحديثة؟ وهل جميع الديون العامة متشابهة؟
أعتقد أن الإجابة هي :لا. فالنظرية تقوم على مجموعة من الافتراضات التي يصعب تحققها في الواقع. فهي تفترض أن الأسر تفكر بعقلانية كاملة، وأنها تخطط عبر الأجيال، وأنها تهتم برفاه أحفادها كما تهتم برفاهها الحالي، وأن جميع الأفراد يستطيعون الاقتراض والادخار بحرية، وأن الأسواق المالية كاملة، وأن الحكومة تستخدم الدين بكفاءة، وأن الضرائب المستقبلية مؤكدة ويمكن التنبؤ بها. ولو تحققت كل هذه الشروط، فقد يكون استنتاج بارو منطقياً. لكن الاقتصاد الحقيقي يختلف كثيراً عن النماذج النظرية.
إلا أن النقد الأهم للنظرية لا يتعلق بهذه الافتراضات، بل بما تغفله من تمييز أساسي بين نوعين مختلفين تماماً من الدين العام. فليست كل الديون سواء. فالاقتراض الذي يمول الرواتب، والدعم الاستهلاكي، والنفقات التشغيلية، يختلف جذرياً عن الاقتراض الذي يبني ميناءً، أو محطة كهرباء، أو سككاً حديدية، أو جامعة، أو شبكة اتصالات، أو مشروعاً للهيدروجين الأخضر، أو بنية تحتية رقمية. ففي الحالة الأولى، يستهلك الجيل الحالي الموارد ويترك فاتورة السداد للأجيال القادمة. أما في الحالة الثانية، فإن الدين يخلق أصلاً إنتاجياً يستفيد منه الجيل الحالي والأجيال اللاحقة معاً.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم بلغ الدين؟ وإنما: ماذا موّل هذا الدين؟ في المحاسبة لا نحكم على المركز المالي بالنظر إلى جانب الخصوم فقط، بل ننظر أيضاً إلى الأصول. وينطبق الأمر نفسه على المالية العامة. فإذا اقترضت الدولة مليار دينار لبناء مشروع يرفع الناتج المحلي، ويولد وظائف، ويزيد الإيرادات الضريبية لعقود طويلة، فإن الأجيال القادمة لا ترث الدين وحده، بل ترث أيضاً الأصل الذي يساعدها على سداده.
ولذلك فإن مساواة الدين بالضرائب، كما تفترض نظرية بارو، تتجاهل جانباً أساسياً من الميزانية العمومية للدولة، وهو الأصول العامة. وليس هذا النقد جديداً. فالمفارقة أن David Ricardo نفسه، الذي ارتبط اسمه بالنظرية، لم يكن مقتنعاً بأنها تصف سلوك الناس في الواقع، بل اعتبرها احتمالاً نظرياً أكثر منها حقيقة عملية.
أما آدم سميث، أبو علم الاقتصاد، فقد حذر من الإفراط في الاقتراض لتمويل الحروب والإنفاق غير المنتج، لكنه لم يعارض الاستثمار العام الذي يعزز الثروة القومية ويرفع القدرة الإنتاجية. ثم جاء جون مينارد كينز ليقدم رؤية مختلفة تماماً. ففي أوقات الركود، لا تكون المشكلة في ارتفاع الدين، بل في انخفاض الطلب والاستثمار. وإذا استخدمت الحكومة الاقتراض لتمويل مشاريع إنتاجية وتشغيل العمالة العاطلة، فإن الناتج المحلي سيرتفع، وستزداد الإيرادات الضريبية، وقد يصبح عبء الدين أقل مما كان سيحدث لو امتنعت الدولة عن الاستثمار.
أما جوزيف ستيغليتز الحاصل على النوبل في الاقتصاد، فيرى أن النقاش حول الدين كثيراً ما يطرح السؤال الخطأ. فبدلاً من السؤال: كم اقترضنا؟ ينبغي أن نسأل: في ماذا استثمرنا؟ فالإنفاق على التعليم، والبحث العلمي، والبنية التحتية، والطاقة النظيفة، والصحة، ليس مجرد تكلفة مالية، بل استثمار يرفع إنتاجية الاقتصاد لعقود طويلة. وتذهب ماريانا ماتزوكاتو إلى أبعد من ذلك لتؤكد أن الدين الذي يمول الابتكار لا يمثل عبئاً، بل يمثل استثماراً في خلق أسواق وصناعات جديدة.
كما أن تطورات الفكر الاقتصادي في السنوات الأخيرة عززت هذا الاتجاه. فقد أوضح اوليفيه بلانشارد أن استدامة الدين لا تعتمد فقط على حجمه، بل أيضاً على العلاقة بين تكلفة الاقتراض ومعدل النمو الاقتصادي .فإذا كان الاقتصاد ينمو بوتيرة أسرع من سعر الفائدة على الدين، فإن عبء الدين يصبح أكثر قابلية للإدارة، خاصة عندما يكون موجهاً إلى استثمارات منتجة.
ومن هنا برز مفهوم مهم في المالية العامة يعرف باسم "القاعدة الذهبية"، ومضمونه أن الحكومات يمكنها الاقتراض لتمويل الاستثمار الرأسمالي، لكنها لا ينبغي أن تقترض لتمويل الإنفاق الجاري. حيث يحقق هذا المبدأ قدراً كبيراً من العدالة بين الأجيال. فالمشروعات الرأسمالية تعيش لعقود، ولذلك من الطبيعي أن تساهم الأجيال التي ستستفيد منها في تحمل جزء من تكلفتها من خلال سداد الدين على مدى زمني طويل. أما تمويل الرواتب أو النفقات التشغيلية بالاقتراض، فهو يعني ببساطة نقل فاتورة استهلاك الجيل الحالي إلى أجيال لم تشارك في اتخاذ القرار.
والتجارب الدولية تؤكد ذلك بوضوح. فالولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، والصين، لم تنظر إلى الاقتراض باعتباره هدفاً أو خطيئة، بل باعتباره أداة لتمويل البنية التحتية، والتعليم، والطاقة، والصناعة، والبحث العلمي، وهي استثمارات رفعت الإنتاجية والناتج المحلي بوتيرة تجاوزت تكلفة الدين نفسه. ولذلك فإن الاقتصادات الناجحة لا تقسم الدول إلى قليلة الدين وكثيرة الدين، بل تميز بين دين يخلق أصولاً ودين يمول استهلاكاً.
ولهذا فإن معيار الحكم على السياسة المالية يجب ألا يكون حجم الدين وحده، بل جودة الدين، والعائد الاقتصادي والاجتماعي الذي يحققه، ومدى قدرته على زيادة الإنتاجية والثروة الوطنية. وفي النهاية، فإن الأجيال القادمة لن ترث الدين فقط، بل سترث أيضاً ما أنشأناه بهذا الدين: الطرق، والموانئ، وشبكات الكهرباء، والجامعات، والمستشفيات، والمصانع، والاقتصاد الرقمي، ومشروعات الطاقة النظيفة.
فإذا كانت هذه الأصول قادرة على توليد دخل وفرص عمل ونمو اقتصادي، فإن الدين لا يكون عبئاً على المستقبل، بل يكون استثماراً فيه. أما إذا استُخدم لتمويل الاستهلاك الجاري، فإنه يتحول بالفعل إلى ضريبة مؤجلة على أجيال لم تشارك في اتخاذ القرار. لذا، فإن السؤال الذي يجب أن يوجه السياسات المالية ليس: كم اقترضنا؟ بل: ماذا بنينا بهذا الاقتراض؟ هذا هو السؤال الذي يحدد ما إذا كان الدين عبئاً على الأجيال القادمة، أم هديةً لها.