م. زيد خالد المعايطة : الانتقال من الحكومة الالكترونية إلى الحكومة الذكية…رؤية لمستقبل الخدمات الحكومية
خلال السنوات الماضية، قطع الأردن شوطاً مهماً في رقمنة الخدمات الحكومية، فأصبحت معاملات كانت تتطلب أوراقاً، ومراجعات متعددة، وساعات من الانتظار، تُنجز اليوم إلكترونياً خلال دقائق، وشكّل هذا التحول نقلة نوعية في تحديث القطاع العام، وأسهم في تسهيل استخدام المواطنين إلى العديد من الخدمات الحكومية بشكل مباشر.
غير أن الرقمنة لم تكن سوى محطة في رحلة التحديث والتطوير، وليست محطتها الأخيرة، فهي نقلت الخدمات من الورق إلى الشاشة، لكنها لم تبسط في بعض الاحيان تجربة الحصول عليها بالشكل المتوقع، فما زال المواطن يقضي وقتاً في البحث عن الخدمة المناسبة، وفي فهم الإجراءات، وتجهيز الوثائق، وقد يكتشف بعد تقديم الطلب وجود مستند ناقص، أو معلومة غير مكتملة، أو إجراء إضافي لم يكن في الحسبان، وبذلك أصبحت اغلب الخدمات الحكومية مرقمنة، لكن الحصول عليها لم يصبح دائماً أكثر سهولة.
ومن هنا، يأتي الذكاء الاصطناعي باعتباره المرحلة الطبيعية التالية في تطوير القطاع العام، فالهدف لم يعد رقمنة المزيد من الخدمات، بل إعادة تصميمها لتصبح أكثر ذكاءً، وأكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين، فالخدمة الحكومية الناجحة ليست تلك التي تُنجز إلكترونياً فحسب، بل تلك التي تساعد المواطن على الوصول إلى ما يحتاجه بأقل وقت وأقل جهد، وأقل تعقيد.
ولعل ما يؤكد أن هذا التحول لم يعد مجرد تصور للمستقبل، أن العديد من الحكومات بدأت بالفعل بتوظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير خدماتها العامة، ففي بعض الجهات الحكومية أصبحت الأنظمة الذكية تراجع الطلبات قبل إرسالها، وتكتشف الوثائق الناقصة أو الأخطاء المحتملة قبل بدء إجراءات المعاملة، ومن ناحية أخرى أصبح بإمكان المواطن أن يشرح للتطبيق ما يريد إنجازه بلغة مبسطة، لتحدد له الأنظمة نوع الخدمة المناسبة، وتوضح المتطلبات اللازمة، وتوجهه إلى الخطوات الصحيحة، كما تستخدم بعض الحكومات الذكاء الاصطناعي لتحليل آلاف الشكاوى والاستفسارات، وسرعة اكتشاف المشكلات المتكررة، بما يساعد على تحسين الإجراءات، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة نتائجها، وفي بعض التجارب أصبحت هذه التحليلات تُستخدم أيضاً لقياس رضا المستفيدين، وتحديد الخدمات الأكثر تعقيداً، بما يتيح تطويرها بصورة مستمرة استناداً إلى تجربة المستخدم نفسها.
ورغم اختلاف هذه التطبيقات، إلا أنها تنطلق من فكرة واحدة، وهي أن أفضل الخدمات الحكومية هي تلك التي تتطلب أقل قدر ممكن من الجهد، فكل خطوة يمكن اختصارها، وكل معلومة يمكن التحقق منها تلقائياً، وكل إجراء يمكن تبسيطه، ينعكس مباشرة على جودة الخدمة وكفاءتها، فالتحول الحقيقي لا يكمن في إضافة مزيد من الخدمات الإلكترونية، وإنما في إعادة تصميمها بما يجعلها أكثر سلاسة، وأكثر قدرة على تلبية احتياجات المواطنين.
وبالنسبة للأردن، فإن هذه المرحلة تمثل الامتداد الطبيعي لمسيرة التحول الرقمي، فالبنية التحتية الرقمية أصبحت متوفرة، والخدمات الإلكترونية أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، وما تحتاجه المرحلة المقبلة هو توظيف الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة القائمة، بما يرفع كفاءة الخدمات، ويختصر الإجراءات، ويمَكن الجهات الحكومية من تطوير خدماتها بصورة مستمرة، استناداً إلى البيانات، واحتياجات المواطنين، والتحديات التي تظهر مع مرور الوقت، وبما يعزز جودة الخدمات الحكومية، ويرتقي بتجربة المواطن في التعامل معها.
لقد تم قياس نجاح المرحلة الماضية بعدد الخدمات التي أصبحت رقمية، أما نجاح المرحلة المقبلة فلن يقاس بعدد تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تعتمدها الحكومات، بل بمدى سهولة حصول المواطن على الخدمة، وبقدرة المؤسسات على إزالة التعقيد من الإجراءات، واختصار الوقت والجهد، وعندما تصبح الخدمة الحكومية أكثر بساطة من الإجراءات التي كانت تعيقها، عندها فقط نكون قد انتقلنا فعلاً من الحكومة الرقمية إلى الحكومة الذكية. ــ الراي