المستشار عمر الصمادي : عندما تبحث عن شاحنة بالمندل... العقبة تستعيد نبضها اللوجستي
سكة حديد العقبة معان والميناء البري ضرورة
بقلم: المستشار عمر الصمادي
تشهد منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة وموانئها هذه الأيام نشطا بالفعل غير مسبوق في قطاع الشحن البري، مع ارتفاع الطلب على الشاحنات المتجهة إلى العراق ودول الخليج العربي، حتى بات عثور الموردني والمصدرين على شاحنة متاحة أمرا في غاية الصعوبة، في مشهد لم يشهده القطاع منذ فترة طويلة.
والأكثر دلالة أن أجور النقل إلى بعض دول الخليج قفزت من نحو 1400 دينار إلى ما يقارب 2800 دينار للنقلةالواحدة، وهو مؤشر واضح على تنامي الطلب وعودة النشاط التجاري بقوة.
ورغم أن ارتفاع أجور النقل قد يشكل تحديا لبعض المستوردين والمصدرين، إلا أنه من زاوية الاقتصاد الكلي يعد مؤشرا على انتعاش الحركة التجارية وارتفاع حجم البضائع المتداولة عبر ميناء العقبة، الأمر الذي ينعكس إيجابا على مختلف حلقات سلسلة الإمداد والتزويد.
فالشاحنة عندما تتحرك لا يستفيد منها سائقها فقط، بل تتحرك معها شركات التخليص، ووكلاء الشحن، والموانئ، وساحات التخزين، ومحطات الوقود، وورش الصيانة، وقطاع الإطارات وقطع الغيار، والفنادق، والمطاعم، والأسواق، وآلاف العاملين الذين ترتبط أرزاقهم بعجلة النقل والخدمات اللوجستية.
وقد ثبت بالتجارب أن قطاع النقل يشكل أهم المؤشرات على صحة الاقتصاد. وكلما دارت عجلة الشحن بقوة، دل ذلك على وجود تجارة نشطة، واستيراد وتصدير متزايد، وحركة اقتصادية قادرة على توليد فرص العمل وتحريك رؤوس الأموال.
وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل أسهم إغلاق معبر هرمز، أو اضطراب حركة الملاحة في المنطقة، في تحويل جزء من حركة التجارة نحو ميناء العقبة والممر البري الأردني، ومنح الأردن فرصة لتعزيز مكانته كمركز لوجستي إقليمي؟ بمقارنة ذلك مع حيثيات العمل في موانيء منافسة على المتوسط.
قد تكون الإجابة نعم، إلى حد ما. فعندما تواجه سلاسل الإمداد البحرية تحديات، تبحث الشركات عن بدائل أكثر أمنا واستقرارا، ويبرز الأردن بفضل موقعه الجغرافي واستقراره السياسي والأمني، إضافة إلى كفاءة ميناء العقبة وشبكة الطرق ( التي تحتاج الى تاهيل افضل او بالاحرى نحتاج الى سكة حديد واعادة التفكير بضرورة انشاء ميناء معان البري) التي تربطه بالعراق ودول الخليج.
لكن هذه الفرصة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مكسبا مؤقتا فرضته الظروف الإقليمية، بل يجب استثمارها لتحويل الأردن إلى مركز لوجستي دائم. ويتطلب ذلك مراجعة كلف التشغيل، وتسريع إجراءات التخليص، وتوسعة البنية التحتية، وتقديم حوافز لشركات النقل والشحن، بما يضمن استدامة هذا النشاط حتى بعد زوال الظروف الاستثنائية.
إن ما تشهده العقبة اليوم رسالة اقتصادية واضحة مفادها أن كل شاحنة تغادر الميناء تحمل معها قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وكل زيادة في حركة الشحن تعني فرص عمل جديدة، ودخلا أكبر للخزينة، وحياة أكثر نشاطا لعشرات القطاعات المرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية.
ويبقى الأمل أن تتحول هذه الطفرة إلى نهج دائم، وأن تستثمر الحكومة هذا الزخم لتعزيز تنافسية العقبة، وترسيخ مكانة الأردن بوابة تجارية ولوجستية رئيسية تربط آسيا بأوروبا والخليج بالمشرق، لأن ازدهار الشحن ليس نجاحا لقطاع واحد، بل هو نجاح للاقتصاد الأردني بأكمله.