المحامي معن عبد اللطيف العواملة : نبيل فهمي.. تفاؤل مشروع في واقع معقد
تمر المنطقة العربية بمنعطف جيوسياسي هو الأكثر تعقيداً في تاريخها الحديث. فبين مهددات للسيادة، واستهدافات خارجية مباشرة طالت نسيج الأمن القومي، يجد «بيت العرب» نفسه أمام حتمية تاريخية. إما ولادة جديدة تؤهله لقيادة مرحلة ما بعد الصراعات، أو انكفاء بيروقراطي يخرجه تماماً من حسابات المستقبَل.
في خضم هذا المخاض، تم اختيار وزير الخارجية المصري الأسبق، الدبلوماسي المخضرم نبيل فهمي، أميناً عاماً جديداً لجامعة الدول العربية، ليمثل بارقة أمل موضوعية؛ لما يمتلكه من إرث دبلوماسي عريق وفهم عميق للتوازنات الدولية والإقليمية، وما عرف عنه من جرأة وبصيرة استراتيجية. نبيل فهمي سليل مدرسة دبلوماسية مصرية وعربية وازنة، عايش تفاصيل ملفات مهمة، ويدرك كواليس العلاقات المتشابكة مع القوى الكبرى، فضلاً عن قيادته للخارجية المصرية في أدق ظروفها السياسية بعد عام 2013.
ينعكس هذا التاريخ على رؤية الامين العام الجديد المتوقعة لنقل الأمانة العامة من موقع المراقب، أو المنصة البروتوكولية، الى المبادِرة الاستراتيجية. فهو يدرك تماماً أن الجامعة تملك القوة الناعمة والغطاء الشرعي، والقابلية للتحول إلى مركز فكري وعملياتي يُنتج حلولاً عربية للأزمات، بدلاً من تدويلها، والذي غالباً ما ينتهي بفرض وصاية خارجية على المقدرات العربية.
إن التفاؤل بالمستقبل العربي بعد الأحداث الدامية والأزمات المركبة الأخيرة هو تفاؤل مشروع، لكنه مشروط بحذر شديد، وبقراءة واقعية مجردة من العاطفة. لقد اثبتت الصدمات الأخيرة أن الأمن القومي العربي لا يتجزأ، وأن غياب التنسيق يترك الدول فرادى أمام التمدد الإقليمي والاعتداءات الخارجية. ولتحويل هذا التفاؤل الحذر إلى واقع ملموس، لا بد من توافر ثلاثة شروط أساسية لنهضة العمل العربي المشترك. أولاً، الاستقلال الاستراتيجي للأمانة العامة، اذ يجب منح الأمين العام الجديد وإدارة الجامعة هامش حركة مرنا وواسعا للتوسط وحل النزاعات البينية والعربية - الإقليمية، بعيداً عن التجاذبات والاستقطابات الحادة بين العواصم. ثانياً، التحول من قاعات الاجتماعات إلى غرف العمليات لانهاء الحقبة البيروقراطية الثقيلة عبر غربلة شاملة للهياكل، واستبدالها بوحدات مرنة لإدارة الأزمات قادرة على استشراف التهديدات والتعامل معها في الوقت الحقيقي. وثالث هذه الشروط هو مأسسة النجاحات، اذ تمتلك دول عربية اليوم ثقلاً دبلوماسياً واقتصادياً كبيرا ونجاحات مشهودة في ملفات دولية معقدة. لا بد من نقل هذه النجاحات الى اطار اوسع لتصبح رصيداً قومياً مشتركاً تحت مظلة الجامعة.
إن النقلة النوعية الحقيقية التي يمكن أن يقودها الامين العام الجديد، بالتعاون مع الإرادة السياسية للدول الأعضاء، هي تفعيل السوق العربية المشتركة كأداة تحول سياسي وأمني. في عالم ما بعد الحروب الحالية، ستتشكل المنطقة بناءً على تفاهمات اقتصادية وسلاسل توريد وأمن طاقة ومياه. إذا لم تسبق الجامعة هذه التحولات بكتلة اقتصادية عربية متماسكة تحمي مصالح أعضائها، فإن الآخرين سيفرضون شروطهم.
خلاصة القول إن إعادة هيكلة جامعة الدول العربية اليوم لم تعد ترفاً فكرياً أو خياراً دبلوماسياً تجميلياً. إن زمن الترميم الجزئي والمجاملات السياسية قد ولى دون رجعة. بوجود قيادة استراتيجية وديناميكية متمثلة في نبيل فهمي، وبإدراك حقيقي من الدول الأعضاء لخطورة اللحظة التاريخية، تملك الجامعة فرصة أخيرة لتكون رافعة حقيقية ودرعاً فعالا للمنطقة.