اسماعيل الشريف : التزييف العميق
اللغة السياسية مصمَّمة لتجعل الأكاذيب تبدو صادقة، والقتل محترماً - جورج اورويل.
عندما كنا صغارًا نتابع أفلام الغرب الأمريكي، ونرى كيف يقتل البيضُ «المتحضرون» الهنودَ الحمرَ الذين صُوِّروا لنا على أنهم همجيون، لم نكن ندرك حينها أن هؤلاء البيض قد جاءوا من أوروبا وأبادوا أمةً كاملة. ثم وجدنا أنفسنا ندعم الأمريكيين في أفلام حرب فيتنام، وبالمثل لم نفهم آنذاك ما الذي جاء بهم من أقصى الأرض ليحرقوا قرىً كاملة، ولا أن أولئك الفيتناميين المزارعين لم يكونوا سوى أناس يدافعون عن وطنهم.
وبعد أن احتلّ الأمريكيون العراق، وما خلّفوه من مآسٍ بحصارٍ مُضنٍ تسبب في موت مليوني طفل، وهو ما قالت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت إنه كان «ثمنًا مستحقًا»، أصبحت كل الأفلام الأمريكية التي تمجّد حروبهم تثير في نفسي الغثيان؛ فهي، في جوهرها، دعاية بشعة للغاية لآلة الحرب الأمريكية.
ومع تطوّر التكنولوجيا، تتطوّر دعاية الحرب الأمريكية بدورها؛ فقد عُرض ضمن مهرجان ترايبيكا فيلمٌ وثائقي مُولَّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي، وذلك بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لانطلاق المهرجان.
الفيلم دراما وثائقية مدتها خمس وسبعون دقيقة، مستوحاة من الاحتجاجات التي اجتاحت طهران في كانون الأول من هذا العام. بطل الفيلم طفل في العاشرة من عمره، مصاب بالشلل الدماغي، ومن نافذته تُسلّط الكاميرا الضوء على خمسة متظاهرين يُعدَمون في زقاق من أزقة طهران. ويعرض الفيلم شخصيات رئيسية تتعرض لاضطهاد وحشي على يد السلطات الإيرانية، ثم ينتهي بصوت طائرات مقاتلة في السماء، بينما يقول تعليق صوتي مترجم إلى الإنجليزية: «إذا تحررت إيران، فاحتفلوا من أجلي، واستمتعوا بها من أجلنا». وكأن الحرب كانت من أجل تحرير الشعب الإيراني. وفعلاً، جاءت الطائرات امريكية، لكنها لم تحرر الشعب الإيراني؛ بل قتلت 165 طالبة مدرسة في أول أيام «تحرير» هذا الشعب.
أُنتج هذا الفيلم من قِبل شركة «إسرائيلية» مقرّها في فلسطين المحتلة، تحمل اسم Generative AI for Good، أي: «الذكاء الاصطناعي التوليدي من أجل الخير» ، وليس من اسمها نصيب، ليُضاف إلى أفلام أخرى تعتمد على التزييف العميق وتُسخَّر لأغراض الحرب على إيران.
وفي تحقيقٍ نشره موقع Canary، وهو موقع إخباري مستقل، أشار إلى أن هذه الشركة تضم جنودًا سابقين في جيش الاحتلال، سبق أن روّجوا لأكاذيب الاغتصاب الجماعي وحرق الأطفال في أحداث طوفان الأقصى. ويقول مؤسس الشركة صراحة: «إن الذكاء الاصطناعي هو سلاحنا السري»، نوظفه لتعزيز جهود الجيش، سواء عبر الإنترنت أو على الأرض، ضمن حرب معلومات تُخاض بالتوازي مع ساحات القتال العسكرية في غزة.
تكمن خطورة هذه الأفلام المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي في أنها تُنشئ لقطات تبدو حقيقية، رغم أنها لم تقع أصلًا. وهي بذلك تتحول إلى أداة رخيصة للتأثير في مشاعر الناس وتوجيه وعيهم لخدمة حروب الصهاينة أو الأمريكيين.
ما زلنا في البدايات، وما نراه اليوم ليس سوى قطراتٍ أولى من تسونامي قادم؛ فاحذروا.
ــ الدستور