اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

عاطف أبو حجر يكتب : حكاية النجوم

عاطف أبو حجر يكتب : حكاية النجوم
أخبارنا :  

في سنوات المراهقة، لم تكن السماء مجرد فضاءٍ ممتد فوق رؤوسنا ونحن ننام في حوش الدار أو على سطح المنزل، بل كانت صفحةً مفتوحة لأحلامنا الصغيرة وأسرار قلوبنا الكبيرة. كانت ليالي الصيف الطويلة تمتد كأنها لا تنتهي؛ نفرد فرشات الصوف بجانب بعضنا بعضًا، ونتغطى باللحف، ونحدق في القمر والنجوم، وننسج من ضوئها حكايات حب لا يعرفها إلا أصحابها.


كان ذلك زمنًا مختلفًا؛ زمن العشاق الذين يختبئون خلف النظرات المرتبكة والابتسامات الخجولة، وزمن الرسائل القصيرة المكتوبة بخط اليد، والبطاقات الملونة التي تحمل صور نجوم السينما والمطربين. كنا نتبادلها كما يتبادل الأطفال كنوزهم الثمينة، ونحتفظ بها بين دفاترنا وصفحات كتبنا، ونمنحها قيمة تفوق قيمتها الحقيقية؛ لأنها كانت تحمل شيئًا من أحلامنا وأعمارنا.


وفي تلك الأيام، كانت أشرطة الكاسيت رفيقة السهر الطويل. كنا نقلبها بعناية، وننتظر الأغنية التي تلامس القلب، فينساب صوت الست أم كلثوم من المسجل ليملأ الليل بالشجن والعشق والحنين. كانت الأغاني يومها رسائل غير معلنة بين القلوب، وكانت كلماتها تُحفَظ عن ظهر قلب كما تُحفَظ أسماء الأحبة.


وعندما يهدأ كل شيء ويغرق الحي في سكونه، كنا نرفع رؤوسنا إلى السماء، ونعدّ النجوم واحدةً تلو الأخرى، رغم تحذيرات الكبار وضحكاتهم وهم يرددون: «اللي بعدّ نجوم السما بتطلع على إيده ثواليل». لم نكن نخاف الثآليل بقدر ما كنا نخشى أن تنتهي تلك اللحظات الجميلة. كنا نبحث بين النجوم عن وجه حبيب، أو أمنية بعيدة، أو مستقبل نرسمه كما نشاء.


لم نكن نعرف شيئًا عن الفلك ولا عن أسرار المجرات، لكننا كنا نعرف أن النظر إلى السماء يريح القلب، وأن التأمل في النجوم يجعل الأحلام أقرب. وكثيرًا ما كنا نطلق زفرات طويلة في الليل، نحمل معها أمنياتنا الصغيرة إلى فضاء لا حدود له، معتقدين أن نجمة ما ستلتقطها وتحفظها لنا.


وعندما شهدنا قبل أيام تلك اللوحة السماوية البديعة في سماء الأردن، حيث اصطف القمر والزهرة والمشتري وعطارد في مشهد خطف الأبصار، وكذلك مشهد اقتران القمر بأحد النجوم اللامعة، عادت إلينا فجأة تلك السنوات البعيدة. عاد صوت الكاسيت وهو يدور ببطء، وعادت صور النجوم المخبأة في الأدراج، وعادت جلسات السهر الطويلة التي كان الليل فيها أكثر اتساعًا، وكانت الأحلام أكثر براءة.


كم تمنيت يومًا أن أكون عالمًا في الفلك لأفهم أسرار تلك اللوحة السماوية المدهشة. لكنني أدركت أن جمالها الحقيقي لا يحتاج إلى شهادات أو معادلات، بقدر ما يحتاج إلى قلب ما زال قادرًا على الدهشة. فبعض المشاهد لا تُفسَّر، بل تُعاش.


وعندما ظهر ذلك المشهد السماوي الجميل، تحوّل كثير منا فجأة إلى خبراء فلك ومحللين لحركة الكواكب، وأنا أولهم. فمنّا من رأى فيه بشائر خير، ومنّا من ربطه بأحداث سياسية، ومنّا من راح يفسر مدارات الكواكب وكأنه أمضى عمره بين مراصد الفضاء. والحقيقة أن معظمنا كان ينظر إلى السماء بعين، وإلى مجموعات الواتساب بعين أخرى، بحثًا عن أحدث التحليلات والتفسيرات.


لكن بعيدًا عن كل الاجتهادات والتوقعات، يبقى المشهد أعظم من تأويلاتنا جميعًا. فهذه الأجرام تسير وفق نظام دقيق أودعه الله في هذا الكون الواسع، وما نراه من اصطفاف ليس سوى تقارب بصري يخفي خلفه مسافات هائلة لا تكاد العقول تستوعبها.


أجمل ما في هذه الظواهر أنها تعيدنا إلى أنفسنا. تجعلنا نتوقف قليلًا وسط ضجيج الحياة، ونرفع رؤوسنا نحو السماء كما كنا نفعل في أيام المراهقة. هناك، بين القمر والنجوم، نستعيد وجوهًا غابت، وأحلامًا تأخرت، وقصص حب لم تكتمل.


لقد عددنا النجوم آلاف المرات، ورسمنا تحت ضوء القمر مئات الأحلام. كثير من الحبيبات اللواتي سكنّ الخيال لم يصبحن زوجات، وكثير من الأمنيات ضاعت في زحام العمر. وعندما ننظر اليوم إلى أيدينا، لا نجد خواتم الأحلام التي تخيلناها، بل نجد آثار السنين وتعب الأيام وندوب التجارب التي صقلتنا.


وما زلنا، كلما رفعنا رؤوسنا إلى السماء، نبحث عن تلك النجمة القديمة التي خبأت أحلامنا. قد لا تعود الأيام، لكن يكفي أنها تركت في القلب ضوءًا لا يخبو، وذكرى جميلة تكبر كلما تقدم بنا العمر.


مواضيع قد تهمك