اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

رمزي الغزوي : حارس الحقيقة

رمزي الغزوي : حارس الحقيقة
أخبارنا :  

لم يعد الخطر على الصحافة آتيا من رقابة غليظة، أو من خبر كاذب يتسلل في عتمة الهوامش، وإنما من شيء أشد التباسا: هذا الطوفان اللامع الذي يندلق ويفيض كل لحظة من الشاشات، ليعرض علينا الحقيقة في ألف هيئة، حتى يكاد يضيع أصلها بين النسخ والتقليد والسرعة. نحن نعيش زمنا صار فيه الخبر نفسه قابلا للتوليد، والتعديل، والتزويق، والقص واللصق، وكأنه مادة مطاطية تفقد شكلها كلما لامستها يد جديدة.

هنا دخل الذكاء الاصطناعي إلى الإعلام لا كأداة صغيرة توضع على مكتب الصحافي، بل كقوة تعيد ترتيب الغرفة كلها: من طريقة جمع المعلومة، إلى كتابة الخبر، إلى صورة الحدث وصوته وإيقاعه، وصولا إلى السؤال الأقدم والأخطر: من يحرس الحقيقة حين تصبح قابلة للاستنساخ؟

في الظاهر، يبدو المشهد مغريا. آلة تفك المقابلات في دقائق، وتراجع اللغة، وتفتش في الأرشيف، وتحلل جبالا من البيانات، وتختصر على الصحافي ما كان يحتاج إلى أيام من الجهد والمطاردة. وهذه مكاسب لا يجوز إنكارها. فالصحافة، في جوهرها، ليست عبادة للمشقة، بقدر ما هي سعي إلى معلومة أدق، وصياغة أوضح، ووصول أسرع إلى ما يستحق أن يعرفه الناس. فإذا أعانت التقنية على ذلك، فمرحبا بها. المشكلة تبدأ حين يتحول هذا العون إلى تفويض، وحين يقرر الصحافي أن يسلم مفاتيح المهنة لآلة لا تعرف شيئا عن الضمير، ولا عن السياق، ولا عن الرعشة الخفية التي تفصل بين خبر مكتوب بوعي، ونص ميت خرج من فم بارد.

المباح هنا واضح لمن يريد أن يرى بوضوح: أن تستعمل الذكاء الاصطناعي في البحث، وفي تفريغ المقابلات، وفي فرز البيانات، وفي كشف الصور المزورة، وفي تحرير أولي يمر بعده النص على عين بشرية يقظة تعرف أين تكمن الزلة، وأين يتخفى الانحياز. أما المحظور، فحدوده أكثر صلابة: أن تنسب نصا مولدا إلى قلمك، أو تمرر صورة مصطنعة على أنها حقيقة، أو تترك خوارزمية مرتبكة تقرر وحدها ما يجب أن يفهمه القارئ. هنا لا نتحدث عن خطأ تقني، وإنما عن خيانة مهنية مكتملة الأركان.

لهذا لا تبدو المعركة الحقيقية بين الورق والشاشة، ولا بين الإنسان والآلة. المعركة أعمق من ذلك بكثير: بين صحافة تعرف أن مهمتها الأولى هي حماية المعنى، وصناعة أخرى تكتفي بإنتاج المحتوى. وفي هذا الزمن التعبان يبدو لي أن المهنة ستصبح أكثر شرفا حين تتذكر درسها الأول: أن الحقيقة لا يكفي أن تصل سريعة، بل يجب أن تصل نظيفة أيضا.

الذكاء الاصطناعي، مهما نفرت عضلاته وتضخمت، سيبقى أداة ما لم يتنازل الصحافي عن موقعه الأخير: حارس الحقيقة، لا ناسخها.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك