نادية سعد الدين : تمرد "الابن" الضال!
في لحظة ما؛ قد يضيق الكيان الوظيفي بحدود الدور المرسوم له، فيجترئ على التمرّد ضد صانعيّه والانفلات من السياق المكتوب، إما لطموحات سياسية انتهازية أو لحسابات انتخابية ضيقّة أو بدفع نزعة أيديولوجية توسعيّة، وربما جميعهم معاً، في محاولة واهمّة لإثبات قدرة التحوّل من مجرد «أداة» أو «وكيل» راعٍ لمصالح القوى الراعيّة، إلى لاعب يسعى لصياغة الأهداف وصنع السياسات واتخاذ القرارات المنفرّدة، لأجل خدمة أجندته الخاصة التي قد تتعارض أحياناً مع رؤية «عرابّه» الخارجي.
وهنا، إما أن تلتزم الدول الراعيّة الصمّت حيال تمردّ «أداتها» الوظيفية، عند تساوق الأهداف، أو تُواجّه صعوبة في السيطرة على سلوكيات الكيان المُتمرّد وتجد نفسها مضطرة أحياناً لإدارة الأزمات الناجمة عنه، من أجل ضمان مصالحها الاستراتيجية وعدم تقويض نفوذها.
ولأن الكيان الصهيوني أداة وظيفية زرعها الغرب في قلب العالم العربي والإسلامي لخدمة مصالحه وأهدافه الاستراتيجية، مقابل ضمان أمنه؛ فإن أي لحظة تمرّد من جانبه تصبح فارقة جيوسياسية وازّنة، إذ رغم مطالبة الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» للاحتلال بوقف إطلاق النار في لبنان، وسط مفاوضات لبنانية – صهيونية جارية بواشنطن، باعتباره حجر زاوية مهم لإنجاح المسار الدبلوماسي الأمريكي الذي يتحرك وفق رؤية «الصفقة الكبرى» الرامية لتبريد الجبهات الإقليمية، لاسيما بعد التوصل إلى اتفاق مع إيران، إلا أن «نتنياهو» لم يُعلن وقف عملياته العسكرية إلا متأخراً وعقب سلسلة غارات عدوانية يومية وتوسيع نطاق الحزام الأمني في الجنوب اللبناني.
ولا شك أن الأدوات الوظيفية مُعرّضة للإصابة «بجنون العظّمة» أحياناً، حينما تتقاطع حسّابات بقاء النخبّة الحاكمة مع أيديولوجيا توسعيّة، كحال الكيان الصهيوني. إذ يّصر «نتنياهو»، مع حكومته اليمينية المتطرفة، على فرّض واقع ميداني مُغاير في الساحة اللبنانية وتثبيته لاحقاً، حتى لو رضّخ مؤقتاً للضغوط الأميركية، وذلك عبر رفض الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة جنوباً، والتمسك بحرية الحركة العسكرية المُطلقة لمواصلة قصف الأراضي اللبنانية تحت ذريعة منع التهديدات، ومحاولة التوسع لما أبعد من «نهر الليطاني» لتحقيق أطماع صهيونية قديمة، بعيداً عن التهدئة التي ينشدّها «ترامب».
ويبدو أن «التوبيخات» الأميركية المتتالية للكيان المُحتل انطوت على أكثر من لحظة «تمرّد»؛ حينما أكد «ترامب» بأنه «يُنفذ ما يُأمر به» وأن دعم «نتنياهو» انتخابياً مرتبط بـ»العقلانية» والالتزام بمذكرة التفاهم مع إيران، وحينما انتقده نائب الرئيس الأميركي «جي دي فانس» لمسعاه «للتأثير على السياسة الأميركية»، مما يشي بمحاولات «نتنياهو» تحويل واشنطن من «مُمول للاستراتيجية» إلى «مُبرر» لجرائم الاحتلال في كل من قطاع غزة ولبنان، مستغلاً نفوذ اللوبي الصهيوني، واللوبيات الداعمة له، داخل السياسة الأميركية لتكبيل قدرة «ترامب» على الضغط الفعلي، والإفشال المتعمّد لمساعيه الدبلوماسية، عدا عن إدراك «نتنياهو» بأن وقف الحرب سيفتح ملفات المحاسبة القضائية داخلياً، وقد يؤثر على مصيره السياسي في الانتخابات المقبلة، بما يجعله يسعى بكل جهده المتطرّف لاستمرار العدوان إلى ما لانهاية.
ورغم أن التمرد الظاهري لـ»نتنياهو» وحكومته المتطرفة قد يتحول إلى عبء استراتيجي يُهدّد بجرّ صانعيه إلى صراعات إقليمية لا يريدونها، إلا أن الولايات المتحدة، باعتبارها المُمول والداعم السياسي والعسكري المُطلق للكيان الصهيوني، تمتلك في جعبتها أوراق ضغط حاسمّة كفيلة بإنهاء الصلف الصهيوني «بجرّة قلم»، لو رغبت حقاً في فرض إرادتها، وترجمة توبيخاتها اللفظية إلى إجراءات فعلية تشمل مثلاً؛ التلويح الجاد بوقف شحنات الذخيرة الذكية، أو تعليق الإمدادات العسكرية والمالية، أو رفع الغطاء الدبلوماسي وعدم استخدام حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن الدولي، وهي إجراءات كفيلة بإصابة الآلة الحربية الصهيونية بالشلل خلال فترة قليلة وإجبار الاحتلال على الوقف الفوري لعدوانه ضد لبنان.
ولكن؛ عند تطابق الأهداف الأميركية – الصهيونية الاستراتيجية باستمرار استنزاف الساحة اللبنانية كأداة لتقويض النفوذ الإقليمي الإيراني وتحسين شروط التفاوض النهائية، وعند دخول الحسابات الانتخابية في المعادلة، وسط الخشيّة من دفع أثمان سياسية باهظة إزاء الضغوط الهائلة للوبي الصهيوني والقواعد الإنجيلية المحافظة داخل واشنطن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر 2026، فإن «تمرد» الكيان المُحتل بفعل سطوّة التيار اليميني المتطرف، يضحى تمرداً لابن ضال سرعان ما يعود أدراجه لأصل نشأته الأولى ككيان وظيفيّ مزروع في فلسطين المحتلة.