د. خالد الحريرات البطوش : حبس المدين مرة أخرى
بعد عام على الغاء حبس المدين، يعود الجدل حول جدوى الفكرة، ولكن هذه المرة من باب رصد أثر تعديل قانون التنفيذ على التجارة وحركة الاسواق، وقد كانت ورقة الموقف التي أعدّها منتدى الاستراتيجيات واحدة من المحاولات لتتبع أثر التعديل على التشريع وفقا لاراء الاوساط الاكثر تأثرا باحكام التعديلات الاخيرة على القانون، وقد وصلت نسبة المؤيدين لاعادة حبس المدين الى 67.5 % من اصل 1.752 مستجيب للاستطلاع، فيما بلغت نسبة مؤيدي الابقاء على تعديلات منع الحبس ولكن مع وضع تدابير اخرى 18.6 % ، بينما اكتفى 13.1 % من المستجيبين بالابقاء على تعديلات الغاء الحبس كما هي.
القطاعات التي مثلها المستجيبون ممن شاركوا في استطلاع الرأي كانت راجحة لصالح الشركات والمؤسسات الفردية والبنوك وهي على الاغلب من فئة الدائنين لا المدينين، مقابل 28.5 % لافراد مستقلين، ولم تبين ورقة الموقف فيما اذا شارك في الاستطلاع جهات او منظمات حقوقية مدافعة عن الحرّيات لاحداث التوازن المطلوب بين متطلبات تحسين بيئة الاعمال وفعالية منظومة انفاذ الالتزامات التعاقدية من جهة، وبين ضرورات صون الكرامة الانسانية وتجنب تقييد الحرية من جهة اخرى.
وفقا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لا يجوز ان تكون حرية المدين ضامنة للوفاء بذمته المالية، واذا كانت الرغبة في توسيع نطاق البيع الآجل واستدامة فرص العمل هدفا مشروعا لتحقيق النمو الاقتصادي، فان سلب حرية المدين ينبغي ان يبقى خارج اليات الوصول الى تلك الغاية، لانها تعطل الانتاجية بشكل مزدوج، مرة بتعطيل القوة العاملة من المدينين ومرة اخرى بانفاق الخزينة الذي يصل الى 750 دينارا لكل فرد محبوس عن كل شهر.
الجرأة على حرية المدين كلما تعثر بالسداد يكشف تجرؤا على قيم اساسية ويستمرئ مقايضة الحرية بالمال، ويتجسّر على الحط من الحرية لتغدو وسيلة لتحقيق غاية اقتصادية بما يتنافى مع ما تقتضية الحرية من كفاية بذاتها كقيمة يجب ان تبقى بمنأى عن التسليع، وقد بلغ الدفاع عن حبس المدين حدّ التحذير من اضطرار الدائن الى اللجوء لاستيفاء الحق بالذات بوسائل غير قانونية، وكأن الخيار اما الحبس او اللجوء للبلطجة، وهنا يظهر المضي في الغاء حبس المدين كاختبار حقيقي لمفهومنا لسيادة القانون.
هناك من يدافع عن العودة الى حبس المدين بذريعة ان الدول التي الغت الحبس لديها ظروف حضارية واقتصادية مختلفة عما هو في الاردن، لكن المواطن في الاردن - وان كان مدينا - ليس اقل جدارة بالحرية، والقول بغير ذلك لا يكشف عن عقدة نقص بقدر ما يفضح الرغبة في العودة الى الانحياز السابق في التنظيم القانوني لصالح احد اطراف العلاقة التي استمرأها الدائن ولاذ فيها بالسلطة لحبس المدين المعسر واعفى نفسه من عناء تأمين دينه بوسائل تجارية، ولكن مع تعديل قانون التنفيذ لم تعد العودة الى هذا الاختلال ممكنة، فالامم التي ترغب بالتقدم الى الامام لا يمكنها العودة الى وسائل العصور الوسطى في اكراه المدين بدنيا على السداد.
آليات انفاذ الالتزامات التعاقدية التي تعتمدها الدول المتقدمة لدفع المدين لسداد الدين بدلا من الحبس ليست معجزة، ويمكن تطبيقها في الاردن، والتنظيم القانوني لدينا يعرف عددا منها، ولعل منع السفر وغلّ يد المدين عن اجراء تصرفات مدنية وتجارية يقدّم وسائل مجدية الى حدّ اكراه المدين على سداد دينه دون حبسه، وقد اقترحت ورقة الموقف التي اعدها منتدى الاستراتيجيات حزمة من الاجراءات بديلة عن الحبس وقابلة للتنفيذ من اهمها انشاء منصة ائتمانية الكترونية شاملة تسمح بفحص ائتمان الراغبين في الحصول على ديون، كما ان مرور سنة على الغاء حبس المدين ليس مدة كافية للتسرع بتقييمه او المسارعة بطلب الرجوع عنه، وعلينا ان نتذكر ان «ميكانزم» السوق قادر على تصحيح مساراته وابتكار ادوات مستحدثة لتطوير الائتمان وتحسين بيئة الاعمال دون الحاجة الى التلويح بالحبس كلما تخلف مدين عن السداد.
ــ الدستور